الهروب الجمعي من الحاضر

سمير السوره ميري

عندما تتحول الميتافيزيقا إلى ملجأ مغلق، وتغدو الذاكرة قناعا زائفا، يبدأ الهروب الجمعي من الحاضر نحو الماضي، حيث يتقوقع الوعي داخل بودقة التخلف عن مسيرة النهوض، متقلقلا بتبريرات عضلية تُسوغ العجز وتُقدّس الجمود، هنا لايعود فعلا فرديا، بل يتحول إلى سلوك جمعي، يتخذ من الخوف والمعاناة قدسية، ويستبدل الوعي النقدي بطقوس رمزية، فتغدو الثقافة لا أكثر من ردة فعل، لا تنكر الواقع المأزوم لكنها تعجز عن تغيره.
في هذا السياق يفقد الوعي الجمعي حرية الإختيار، ويمارس إنكار ممنهج لحرية الفكر، يرى سارتر أن الإنسان محكوم بالإختيار، وأن الفرار من مواجه الواقع هو ليس إلا إنكارا لحريته، بل هو إختيار سلبي بامتياز، وقد اختار سقراط المواجهة بالكلمة والسؤال، بينما رأى أفلاطون أن العالم المحسوس ناقص ومشوه، لكنه لم يدع إلى تجاهله بل إلى عدم الخضوع له، ومحاولة إعادة بنائه على أساس المعرفة والعدالة.
أما الكندي فلم يهرب من واقعه بل سعى إلى عقلنته، رابطا المعرفة بالبرهان، ومؤكدا ضرورة تحرر العقل من الخرافة، وكان الفارابي في فلسفته مقاومةً صامتة فمدينته الفاضلة لم تكن حلما طوباويا، بل نقدا مبطنا لواقع مأزوم، ودافع ابن رشد عن العقل في مواجهة سلطة التأويل المغلق، مؤكدا أن الصراع لم يكن مع الدين، بل مع إحتكاره، وهكذا نلاحظ أن فلاسفة المسلمين كانوا أبناء واقعهم، حاولوا إنقاذ العقل من داخله لا الهروب منه.
إن الدين منظومة روحية وأخلاقية، وليس تجربة سياسية تستخدم لشرعنة الحكم عبر الفقه مُسيَّس، الذي يتخذه الحاكم أداة لتكريس سلطته، ويوهم الناس بأن الخروج عليه هو خروجٌ عن الدين ذاته، عندها تتحول الطاعة من عقدٍ سياسي قابل للنقاش إلى واجب عقدي محرَّم المساس به، وتغلق أبواب السؤال عبر إحتكار التفسير، ليصبح المتحدثون باسم الدين أوصياء على العقول.
تُحاصر الأسئلة داخل استدعاء دائم للصورة التقليدية لماضٍ مريض، ويوهم العقل الجمعي بأن أي تغير سياسي هو انهيارٌ للدين والأخلاق وخرابٌ شامل، وعندما يتحول الدين إلى طقوسٍ مفرغة من قيمها، يسهل إلغاء دور العقل والوعي، وتعاد هندسة الوعي الجمعي ليصبح وعيا خدميا، وظيفته خدمة السلطان عبر شرعنة تأويل الدين لصالحها، وهكذا يكتمل مشهد الهروب الجمعي إلى الماضي المأزوم.

قد يعجبك ايضا