محمود صبحي الدفتري.. عراقة واصالة وتأريخ مشرّف

احمد مجيد الحسن

هو (محمود صبحي) –اسم مركب- بن (فؤاد بن إسماعيل بن إبراهيم بن خليل الدفتري)، وآل الدفتري عائلة بغدادية عريقة ارتبطت ببغداد بأوثق رباط.

تولى ابوه (فؤاد الدفتري) منصب متصرف لواء بغداد سنة 1923، ثم نهض به هو نفسه مرتين باسم امين العاصمة.

والدفتري هي نسبة الى (الدفتر دار): وهو أكبر منصب للشؤون المالية في ولاية بغداد في عهد الدولة العثمانية.

ولد في بغداد سنة 1889، ورافق أباه الى الديوانية حيث كان نائب المدعي العام سنة 1894 فـكربلاء من سنة 1898 الى سنة 1903.

تخرج في المدرسة الإعدادية فعين كاتبا في دائرة ولاية بغداد سنة 1907 وألحق بسكرتارية (ناظم باشا) رئيس الهيئة الإصلاحية ووكيل الوالي وعهدت اليه مباشرة الأمور السرية.

تخرج في مدرسة حقوق بغداد سنة1912 ضمن أول وجبة من تلك المدرسة التي تأسست سنة 1908، فهو بذلك أول طالب في مدرسة الحقوق وكان الأول عليها.

سافر مع والده الى اسطنبول عن طريق الموصل بعد الاحتلال البريطاني للعراق سنة 1917، ثم عادا الى بغداد سنة 1919، وشاركا في الحركة الوطنية التي ساندت ثورة العشرين، فقبضت عليهما السلطات العسكرية في 28 آب 1920 وزجتهما في السجن ثم نفيا الى اسطنبول عن طريق الهند. ولبثوا هناك ما يقارب السنتين حتى سمح لهما بالعودة بعد اعتلاء الملك (فيصل) عرش العراق سنة 1921.

و(محمود صبحي الدفتري) اسم عريق تعرفه بغداد جيدا، اذ انه رافقها وزاملها وخدمها وعمل من اجلها، كما احتضنته وربته وانشأته بين جوانحها منذ ولادته وحتى وفاته، فله رفقة طويلة مع هذه المدينة العريقة ووشيجة حب لا ينفرط عقدها.

عرف (الدفتري) بأناقته وأدبه وحسن عشرته. وفد شغف (الدفتري) بالأدب التركي والتاريخ العثماني منذ حداثته، لذا عين سنة 1913 مدرساً للأدب في المدرسة السلطانية في بغداد، فأتيحت له الفرصة للتوسع فيه. وكان يجيد اللغات العربية والتركية والفارسية.

قضى (الدفتري) في اسطنبول ما يقارب السنتين كانتا من أحفل ايام حياته وأزخرها بالذكريات الأدبية، حيث شارك في الحياة الأدبية التركية، فحضر مجالس الأدب وندوات الثقافة، عرف فيها أديباً المعياً عارفاً بالأدب العثماني القديم وشهد له بذلك ادباء الترك أنفسهم، مثل أصدقائه سليمان نظيف ورضا توفيق وعبد الحق حامد أعظم الشعراء الترك المعاصرين وغيرهم ممن عرف مزاياه وقدَّره حق قدره.

كتب (الدفتري) في الصحف التركية دفاعاً عن العرب رداً على الاتهامات التي توجه إليهم، وكانت صلته وثيقة برجال العرب النازلين في دار الخلافة، لا سيما العراقيين كـ(فهمي المدرس) و(معروف الرصافي).

كانت أول وظيفة تسلمها (الدفتري) بعد تأسيس الدولة العراقية هي مشاور حقوقي في أمانة العاصمة سنة 1923. انتخب بعدها نائباً في المجلس النيابي الاول سنة 1925 عن لواء الدليم – الرمادي- ثم نائباً عن ديالى في المجلس الثاني 1928.

عين أميناً للعاصمة سنة 1930، ثم عهدت اليه رئاسة كلية الحقوق سنة1931، غير انه آثر الاستقالة، وعاد الى الوظيفة مديراً عاماً للطابو – التسجيل العقاري – سنة 1932 فـأمينا للعاصمة مرةً الثانية سنة 1933، فمديراً للبلديات سنة 1936.

كان من أبرز اعماله في أمانة العاصمة، فتح شارع (غازي) الذي يحمل اليوم اسم شارع الكفاح وشارع الصالحية في الكرخ، لان بغداد لم يكن فيها عدا شارع الرشيد الذي افتتح سنة 1916سوى مجموعة ازقة (ودرابين) ضيقة تجتمع في احياء مختلفة.

وكذلك بناء بهو الامانة، فقد كانت هناك حاجة ماسة اليه، لان الحكومة كانت تحتار بضيوفها الرسميين في العثور على المكان الملائم لإقامة الحفلات الرسمية لهم، وقد عجل في تنفيذ هذه الفكرة زيارة (ولي عهد السويد) لبغداد آنذاك حيث ضوعفت الجهود للإسراع في إنشائه، وكانت من مميزاته في ذلك الوقت انه اول قاعة مزودة بالتدفئة المركزية.

عين (الدفتري) بعد ذلك عضواً بمجلس (الاعيان) سنة 1937.

تولى منصب وزير العدلية ثلاث مرات في وزارات نوري السعيد الثالثة والرابعة والخامسة.

استمر عضواً في مجلس الاعيان الى 17/10/ 1945، واعتزل الحياة العامة بعد ذلك وانصرف الى اشغاله الخاصة.

ويبدو أن سبب اعتزاله المبكر للحياة السياسية، هو معارضته سنة 1943 عندما كان عيناً في مجلس الاعيان على تعديل (المادة 26/6) من القانون الاساسي بعد الاحتلال الثاني للعراق بزيادة حقوق الملك وبالتالي الوصي على العرش، بمنحه حق اقالة الوزارة إذا أصرت على السياسة التي لا يقرها عليها البلاط، على الرغم من أن الدستور قد نص على عدم جواز إجراء أي تغيير فيما يخص حقوق الملك طالما يمارس الوصي حقوق الملك، مما أدى الى أن يقف (عبد الاله) الوصي على العرش العراق موقفاً سلبياً من (الدفتري) في اسناد أي منصب له بعدها.

يعد (الدفتري) من رجالات الثقافة في العراق، وله صالون ادبي معروف ورثه عن اجداده يعرف بـ(ديوان الدفتري) وكان يعقد كل يوم جمعة في داره في محلة الحيدرخانة، ومن ثم الى داره في منطقة الشواكة بعد انتقاله اليها، واستمر يعقده أكثر من اربعين سنة حتى وفاته سنة 1979.

ويعد ديوان (الدفتري) ندوة أدبية أو منتدى علمي تبحث فيه مشاكل العلوم والادب وتحل معضلات المشاكل التاريخية واللغوية والاقتصادية والسياسية، وتتخلله وتلطف جوه مداعبات ونكات ولطائف صاحب الدار التي اشتهر بها فيزيد جو مجلسه لطافة وظرافة.

كانت تحضر المجلس اجيال متعاقبة من رجال الفضل والعلم والادب والسياسة، وكان المجلس يحفل بخير ما كان مأثوراً عن بغداد القديمة واخبار اسرها وبيوتها الكريمة ونوادر رجالها النابهين، وكان (الدفتري) في المجلس هو الأستاذ أو المحاضر الذي يروي الحوادث والقصص التاريخية والطرائف الأدبية والفائق من الشعر أو النثر، ويترجم لجلسائه عن التركية أو الفارسية طرفاً وتحفاً من مختارات ذوقه السليم.

وكان يتردد اليه الاصدقاء والمعارف ومنهم الاديب والمفكر والسياسي والتاجر والشيخ المعمم والشاب المتمدن ويطرح خلال انعقاده موضوعات شتى تعالج ما يشغل اذهان الناس في تلك الفترة من امور تتعلق بالسياسة او تتصل بالأدب.

وكان الادباء حلية ذلك المجلس يخلعون على اجتماعاته متعة بما يتحدثون به ويتناقشون حوله.

وكان من رواده في الثلاثينيات والاربعينيات والخمسنيات بالإضافة الى ما تقدم الاساتذة معروف الرصافي وابراهيم صالح شكر وعبد المسيح وزير ونوري ثابت المعروف بـ (حبزبوز) وطه الراوي وعبد الله الشواف ومنير القاضي من الادباء.

وياسين الهاشمي وطه الهاشمي وجميل المدفعي وحكمة سليمان وعبد الوهاب محمود ويونس السبعاوي وحسين جميل وغيرهم من السياسيين.

وقد جذب الصالون بعض الشخصيات العربية والاجنبية التي قدر لها ان تمر ببغداد او تقيم بها اقامة مؤقتة، فكان عبد العزيز الثعالبي وعبد الرزاق السنهوري وسعد الله الجابري ورياض الصلح وعلي الجارم ممن ترددوا عليه، وكذلك الدكتور زكي مبارك الذي كتب عنه يصفه في احدى مقالاته الادبية التي تناولت ملامح المجتمع العراقي. كما زاره الفيلسوف التركي رضا توفيق، وفؤاد كويرلي الاديب والوزير التركي المعروف.

ومن جملة الذكريات الطريفة التي كان يسردها (الدفتري) في مجلسه أنه ذكر حادثا لا يخلو من متعة، اذ بينما كان يسير بمدخل السراي، رأى (الملا عثمان الموصلي) الشخصية المعروفة في كل من بغداد والموصل وإستانبول، وكان ضريرا، ويتعرف على الشخص من تلمسه، فتقدم (الدفتري) الى الملا وحيّاه ماداً يده لمصافحته، فاخذ يتلمسها محاولا معرفة صاحبها كعادته، الا إن (الدفتري) بادره بالقول: (ان هذه اليد لم يسبق لها ان تشرفت بمصافحتك، ولكن لها حبا موروثا انتقل من السلف). فبقي (الملا) ساكتا وبدا بتحريك رأسه يمينا وشمالا كعادته وما هي الا لحظات حتى بادره بهذين البيتين وهو لا يزال ماسكا يده:

أوراقُ إخلاصي إذا ما كُتبت تنشرُ في الآفاقِ حُسنَ الأسطرِ

كلها محفوظةٌ في مُهجتي ومُهجتي عندَ (فؤاد الدفتري)

ولا أدري بم نعجب أَبفطنة (الموصلي) وذكائه، أم بذاكرة (الدفتري) الذي أورد بدقة تفاصيل اللقاء بالرغم من مرور (50) سنة عليه. ومن أشهر ما يذكر عن ديوان (الدفتري) انه تمت فيه مصالحة الشاعرين الكبيرين (جميل صدقي الزهاوي) و(معروف (الرصافي) سنة 1928 التي اقامها لهما في الصالون وحضرها حشد من الادباء المعروفين آنذاك.

فقد كان الشاعران من الوجوه اللامعة التي ترتاد الصالون فلما نشبت الخلافات بينهما التي كانت تدور حول زعامة الشعر في العراق، راح البعض يسعى لتأجيج تلك الخلافات، فكان من الواجب الادبي ان يسعى (الدفتري) الى الصلح بينهما لا سيما وانه درس على يد كل منهما، فـ(الرصافي) كان استاذه في المدرسة الإعدادية في بغداد، و(الزهاوي) في مدرسة الحقوق.

وكان ذلك حدثاً ادبياً من أحداث بغداد، ألقى فيه الزهاوي قصيدة قال فيها:

جمع الاديب الحر (صبحي) شملنا في داره، أكرم بها من دار

و(للدفتري) مكتبة كبيرة تضم أكثر آثار الادب التركي المطبوعة أو المخطوطة، والتاريخ والوثائق العائلية والرسمية والسالنامات (التقاويم) التركية وغيرها من الاسفار والمخطوطات النادرة.

قد يعجبك ايضا