معضلة تشكيل الحكومات في العراق مقارنة بدول اخرى

 

 إعداد ـ التآخي

في ظل الانسداد السياسي الذي يتكرر في كل مرة بموضوع اختيار الرئاسات في العراق (رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء) وما يتسبب فيه من مشكلات جمة بعد كل انتخابات عامة، ومن بينها الأزمة الحالية؛ فمن الضروري اجراء مقارنة قانونية وسياسية بين الدستور العراقي لعام 2005 ونماذج من دساتير دول برلمانية أخرى (مثل ألمانيا وإسبانيا) لتوضيح أين تكمن “الثغرة” التي تسبب الانسداد السياسي في العراق.

​ الثغرة تكمن في “تعريف الكتلة الأكبر” ففي العراق، المادة 76 من الدستور تتحدث عن “الكتلة النيابية الأكثر عددا”؛ الجدل الذي حدث عام 2010 (تفسير المحكمة الاتحادية) سمح بأن تكون الكتلة هي التي تتشكل في داخل البرلمان بعد الانتخابات، وليست بالضرورة الحزب الفائز. هذا فتح الباب للمفاوضات الماراثونية التي قد تستمر أشهرا قبل تسمية الكتلة.

​في ألمانيا وإسبانيا، المبدأ واضح؛ رئيس الدولة (الرئيس في ألمانيا، والملك في إسبانيا) يكلف عادة زعيم الحزب الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد فورا. إذا فشل، ينتقل التكليف للثاني. لا يتواجد مجال “لابتكار” كتلة جديدة بعد الانتخابات لغرض التكليف الأول.

​المسألة الأخرى تتعلق بالمدد الزمنية و”جزاء” الإخفاق، هنا يكمن الفرق الجوهري في كيفية حماية الدستور للدولة من الفراغ، ​في ألمانيا (المادة 63 من القانون الأساسي) تنص على انه ​يجب انتخاب المستشار في غضون أيام من انعقاد البرلمان.

​إذا فشل البرلمان في انتخاب مستشار بالأغلبية المطلقة بعد عدة جولات، يحق لرئيس الجمهورية (في 7 أيام) إما تعيين الشخص الذي حصل على أكبر عدد من الأصوات (حكومة أقلية) أو حل البرلمان والدعوة لانتخابات جديدة.

 

 

 

​النتيجة تتمثل هنا في الخوف من “حل البرلمان” وفقدان المقاعد فيجبر ذلك الأحزاب على التنازل والاتفاق بسرعة.

​في إسبانيا (المادة 99 من الدستور)، تنص على انه ​إذا لم يجري انتخاب رئيس الحكومة في غضون شهرين من أول عملية تصويت، يحل البرلمان (مجلس النواب والشيوخ) تلقائيا ويأمر الملك بانتخابات جديدة؛ ​وهناك “توقيت نهائي” لا يمكن تجاوزه، مما يمنع بقاء الدولة في حالة شلل.

​في العراق (المواد 54، 70، 72، 76)، ​الدستور العراقي وضع مددا (15 يوما لانعقاد البرلمان، 30 يوما لانتخاب رئيس الجمهورية، 15 يوما للتكليف.. إلخ).

​الثغرة الكبرى ان الدستور العراقي لم يضع جزاء واضحا (مثل حل البرلمان تلقائيا) في حال الإخفاق في انتخاب رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء، فبقيت النصوص “توجيهية” وليست “آمرة بجزاء”، مما جعل القوى السياسية تتجاوز “المدد الدستورية” من دون خوف من تبعات قانونية، والاعتماد فقط على “حكومة تصريف الأعمال” المستمرة.

​وتبرز في العراق بقوة عقدة ما يسمى “الثلث المعطل” (نصاب انتخاب رئيس الجمهورية)، فلقد اشترطت المحكمة الاتحادية حضور ثلثي أعضاء البرلمان لانتخاب رئيس الجمهورية (الذي يكلف بدوره رئيس الوزراء). هذا جعل أي طرف يمتلك (110 مقاعد + 1) قادرا على إيقاف العملية السياسية بالكامل.

​في معظم الدول البرلمانية، إذا تعذر الحصول على الأغلبية الموصوفة (الثلثين) في الجولة الأولى، يجري الانتقال في الجولات التالية إلى الأغلبية المطلقة (50+1) أو حتى الأغلبية البسيطة لضمان عدم توقف عجلة الدولة.

​​الخلل في التجربة العراقية ليس في “قصر أو طول” المدد، بل في ​غياب النص على حل البرلمان تلقائيا عند الفشل في الالتزام بالتوقيتات، و​اشتراط نصاب تعجيزي (الثلثين) لانتخاب رئيس الجمهورية من دون تواجد “مخارج اضطرارية” في حال الفشل.

​تتواجد هنا ضبابية في مفهوم الكتلة الأكبر الذي نقل الصراع من صناديق الاقتراع إلى غرف المفاوضات المظلمة.

​فهل أن الحل في العراق يتطلب “تعديلا دستوريا” لهذه المواد، أم أن الأزمة تكمن في “الثقافة السياسية” للأحزاب التي تتجاوز القانون مهما كانت قوته؟

يمكن القول ان الدستور ليس نصا مقدسا، بل هو “عقد اجتماعي” يفترض أن يتطور مع نضج التجربة السياسية واكتشاف الثغرات التي تعوق مسيرة الدولة.

​ فالدستور العراقي كُتب في ظروف استثنائية (عام 2005) غلب عليها طابع الهواجس والمخاوف المتبادلة والمعاناة من النظام الدكتاتوري السابق، مما أنتج نظاما قائما على “الفيتوات المتبادلة” بدلا من “الضوابط والتوازنات” المنتجة.

 

تعديل الدستور لتحقيق السلم الأهلي

المطلوب في الديمقراطية السليمة، تحويل الصراع من الشارع إلى المؤسسات فعندما يجد المواطن والسياسي أن الدستور يقدم حلولا حاسمة (مثل الحل التلقائي للبرلمان)، لن نضطر لانتظار “التوافقات” التي غالبا ما تأتي بعد أزمات خانقة قد تهدد السلم الأهلي.

​ التعديل يمكن أن يحسم الجدل بين “الديمقراطية التوافقية” التي تسبب الشلل، وبين “ديمقراطية الأغلبية السياسية” (التي تضمن تواجد موالاة تحكم ومعارضة تراقب).

​ان كثيرا من الأزمات العراقية نشأت من نصوص حمالة أوجه (مثل المادة 140، أو صلاحيات الأقاليم، أو آلية اختيار الرئاسات). وضوح النص يقلل من حاجة اللجوء المستمر للتفسيرات القضائية التي قد تُسيس أحيانا.

​لكن، تبرز هنا المعضلة الكبرى (العقدة الدستورية)، المادة 142 و126 من الدستور العراقي وضعت قيودا تعجيزية على التعديل، اذ يمكن لثلاث محافظات (فيتو مكوناتي) أن تعطل أي تعديل دستوري حتى لو وافق عليه أغلبية الشعب؛ وهذا ما يجعل عملية التعديل بحد ذاتها بحاجة إلى “توافق سياسي” مسبق، وهو جوهر الأزمة التي نحاول النأي عنها.

​ ما حدث بعد الاحتجاجات الشعبية “تشرين 2019” كان أشبه بعملية “انحناء للعاصفة” من قبل الطبقة السياسية، وليس إيمانا حقيقيا بالتغيير الهيكلي.

​لقد استعملت التعديلات القانونية حينها (مثل قانون الدوائر المتعددة) كمسكنات لتهدئة الشارع، وما إن تراجعت حدة الاحتجاجات واستعادت القوى التقليدية توازنها، حتى جرى الارتداد على تلك المكاسب عبر العودة لنسخة معدلة من “سانت ليغو”، وإعادة تفعيل مجالس المحافظات بالآليات السابقة ذاتها.

​هذا الارتداد يثبت بأن “النظام التوافقي/المحاصصاتي” يمتلك آلية دفاع ذاتي قوية جدا، تجعله قادرا على امتصاص الصدمات ثم إعادة إنتاج نفسه.

 وهنا تبرز عدة نقاط جوهرية توجب التعديل الدستوري الجذري منها، هشاشة التشريعات مقابل الدستور، اذ ان ​تعديل القوانين (مثل قانون الانتخابات) هو إجراء مؤقت وسهل الإلغاء، لأن أي أغلبية برلمانية لاحقة يمكنها تغييره ببساطة، أما التعديل الدستوري فهو الذي يضع القواعد التي لا يمكن التلاعب بها وفقا لمزاج الكتل المتغيرة، وهذا هو الضمان الوحيد لاستقرار “قواعد اللعبة”.

​اثبتت ​التجربة العراقية أن النظام الذي بني على المحاصصة لن يلغي المحاصصة طواعية؛ لأن ذلك يعني “انتحارا سياسيا” لتلك القوى، لذا، فإن الضغط الشعبي وحده، من دون إطار قانوني دستوري جديد يلزم الجميع، يبقى يدور في حلقة مرغمة على تقديم تنازلات شكلية فقط.

لقد عاد النظام السياسي في العراق إلى “الطريقة القديمة” بعد كل تلك التضحيات في احتجاجات تشرين الاول 2019 ما خلق حالة من “الاغتراب السياسي” لدى الجمهور، وهو ما يفسر تدني نسب المشاركة في الانتخابات؛ فالناخب يشعر أن صوته محاصر بمعادلات رياضية (سانت ليغو) وتوافقات مسبقة تفرغ العملية الديمقراطية من محتواها.

​وبما أن القوى السياسية أثبتت قدرتها على الالتفاف على المطالب الشعبية وإعادة الأمور إلى نصابها القديم، فهل أن “تغيير شكل النظام السياسي” (من برلماني إلى شبه رئاسي او حتى رئاسي مثلا) هو المدخل الوحيد القادر على كسر هيمنة المحاصصة؟ أم أن العلة في “تطبيق” النظام البرلماني وليست في النظام نفسه؟ و ​هل أن الضغط الشعبي هو المحرك الوحيد للتعديل، أم أننا بحاجة إلى “مؤتمر وطني” برعاية دولية لإعادة صياغة العقد الاجتماعي العراقي؟

 

 

​وبصريح القول ان مطالب النظام الرئاسي يكتسب مقبولية متزايدة في الأوساط النخبوية والشعبية العراقية كحل جذري، اذ أن “تشتت السلطة” في النظام البرلماني العراقي تحول من أداة لمنع الديكتاتورية إلى أداة لتعطيل الدولة.

​ويقول المؤيدون لهذا الطرح، ان الانتقال نحو النظام الرئاسي أو شبه الرئاسي (كالانموذج الفرنسي) قد يغير قواعد اللعبة السياسية في العراق من عدة جوانب جوهرية منها، ​ وحدة مصدر القرار (الحسم)، ففي ​  النظام البرلماني الحالي، رئيس الوزراء هو “منسق” بين الكتل أكثر من كونه “قائدا” تنفيذيا، لأنه يخشى سحب الثقة في أي لحظة، أما في النظام الرئاسي، فالمعادلة تختلف: ​الرئيس يُنتخب مباشرة من الشعب، مما يمنحه شرعية قوية تفوق سطوة رؤساء الكتل، كما انه ​يمتلك صلاحية تشكيل حكومته من “تكنوقراط” بعيدا عن ضغوط المحاصصة الحزبية.

​ان ​أكبر عيوب “الديمقراطية التوافقية” في العراق هي ضياع المسؤولية: عندما تفشل الحكومة، تتبادل الكتل الاتهامات. في النظام الرئاسي، المسؤولية واضحة ومحددة بشخص الرئيس، مما يجعل الحساب الشعبي في الانتخابات المقبلة أكثر دقة وتأثيرا.

​​في النظام البرلماني، يمكن لكتلة صغيرة أن تبتز الحكومة وتهدد بإسقاطها للحصول على مكاسب، النظام الرئاسي او شبه الرئاسي يقلل من هذا الابتزاز عبر منح الرئيس صلاحية حل البرلمان في حالات الانسداد، مما يخلق توازنا يجبر البرلمان على التعاون بدلاً من التعطيل.

 

النظام الرئاسي والنظام البرلماني

ان وجه المقارنة بين النظام البرلماني (الحالي) والنظام الرئاسي او النظام شبه الرئاسي، هو ان مصدر الشرعية البرلمان يمر (عبر التوافقات) وفي النظام الرئاسي الشعب يقرر مباشرة (انتخاب الرئيس)، وفي النظام البرلماني فان تشكيل الحكومة خاضع للمحاصصة والكتل، اما في الرئاسي فالتشكيل خيار الرئيس المطلق “مشاركة بين الرئيس والأغلبية”، والاستقرار في النظام البرلماني عرضة للانهيار عند كل أزمة اما النظام الرئاسي فمستقر طوال مدة الولاية ويكون مرنا ويسمح بتغيير الحكومة.

​وبرغم أن هذا الانتقال قد يظهر هو “الدواء” القانوني لمرض المحاصصة، إلا أنه يصطدم بعقبات سيكو سياسية في العراق منها ​فوبيا الديكتاتورية، اذ ان بعض القوى تخشى أن يؤدي تركيز السلطة بيد الرئيس إلى عودة الحكم الفردي.

​وكذلك ان النظام الحالي يضمن لكل مكون “حصة” في الرئاسات الثلاث، والنظام الرئاسي قد يخل بهذا العرف التوافقي ما لم يصمم بذكاء (مثلا: تواجد نائبين للرئيس بصلاحيات محددة).

في المزاج العام العراقي؛ بعد عقدين من “الديمقراطية المعطلة”، انتقل المواطن من الخوف من “الديكتاتور الفرد” إلى المعاناة من “ديكتاتورية الكتل” التي أدت إلى ضياع المسؤولية وتفشي الفساد؛ ​وبما ان الدستور نفسه منح الشرعية عبر الاستفتاء، ولا يمكن تغيير شكل النظام السياسي إلا بالعودة إلى صاحب السيادة الأصلي (الشعب)، فان بعض المتخصصين يرون الحاجة لإجراء استفتاء شعبي بشأن النظام الأمثل لإدارة السلطة في العراق.

​وهم يرون ​القوى المستفيدة من المحاصصة لن تسمح بتعديل الدستور عبر البرلمان بسهولة. لذا، فإن الاستفتاء الشعبي يمثل “شرعية بديلة” تتجاوز إرادة الأحزاب. إذا صوت العراقيون بنعم للنظام الرئاسي، سيجد السياسيون أنفسهم أمام أمر واقع لا يمكن القفز عليه دوليا أو محليا.

​و ​لكي ينجح هذا النظام ولا يتحول إلى استبداد (كما يخشى البعض)، يجب أن يرتكز على ​تحديد الولايات: أن لا تزيد عن دورتين (مثلاً 4 سنوات لكل دورة) لمنع التأبيد في السلطة، و ​الفصل الحقيقي بين السلطات: رئيس يقود التنفيذ، وبرلمان قوي يراقب ويشرع (من دون أن يملك عرقلة تشكيل الحكومة لمجرد الحصص).

​ويجب ان يتوفر فيه استقلال القضاء، ليكون الحاكم في أي نزاع بين الرئيس والبرلمان. اما العقبات القانونية أمام الاستفتاء فتتمثل في، انه ​من الناحية القانونية، نحن أمام إشكالية “الدجاجة أم البيضة”: ​الدستور الحالي يتطلب موافقة البرلمان (بأغلبية الثلثين) لعرض التعديلات على الاستفتاء، ​وهنا تكمن المفارقة: كيف نقنع البرلمان بالتصويت على تعديل يقلص صلاحياته لصالح رئيس منتخب؟

​​قد يكون المخرج من خلال “عقد اجتماعي جديد” يفرضه الشارع أو تتبناه قوى وطنية ناشئة، يطالب بإجراء تعديلات دستورية شاملة تعرض في استفتاء متزامن مع أقرب انتخابات عامة.

​كلمة أخيرة في هذا السياق: ​الشارع العراقي اليوم يبحث عن “الإنجاز” والاستقرار والرفاه الاقتصادي، وقد أدرك أن النظام البرلماني بصيغته الحالية هو نظام “توزيع مغانم” وليس “بناء دولة”. النظام الرئاسي سيعيد تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم؛ فالمواطن سيعرف تماما من يحاسب عند الإخفاق، بحسب ما يشدد على ذلك مؤيدو النظام الرئاسي.

قد يعجبك ايضا