محمد قفطان
بينما ينشغل العالم بالصراعات السياسية والحدود الجغرافية، ثمة حرب صامتة تُخاض في مختبرات سرية وجزر معزولة لامرئية، لا تستهدف احتلال الأرض، بل احتلال واستعمار “الجسد البشري” وإعادة صياغة تعريف الحياة والموت، إنهم “الآلهة الجدد”، أولئك الذين لم يعودوا يكتفون بالسيطرة على الأسواق، بل يطمحون لهندسة الوجود وتجاوز الفناء!
لم يكن جيفري إبستين مجرد ملياردير متورط في جرائم أخلاقية، بل كشفت الوثائق الأخيرة (يناير 2026) عن وجه أكثر رعباً، إبستين “المنظّر الجيني”، كانت ملفاته تعج بهوس غريب بما يُعرف بـ “ما بعد الإنسانية” (Transhumanism).
ولم تكن جزيرته مجرد مكان للاعتداءات، بل كانت مشروعاً لمختبر بشري يهدف إلى “تحسين النسل”. أراد إبستين تحويل ممتلكاته إلى قواعد لتلقيح النساء بنطفه لإنتاج جيل “متفوق” جينياً، كما خطط لتجميد رأسه وجهازه التناسلي بعد موته أملاً في البعث عبر العلم، الغاية هنا لم تكن التقدم العلمي، بل كانت “تأليه الذات” وخلود الجينات النخبوية على حساب فناء الآخرين.
جوقة أباطرة المال التقنية .. من يملك مفاتيح الخلود؟
إبستين ليس سوى حلقة في سلسلة تضم “أباطرة” يملكون نفوذاً يتجاوز حدود الدول، ويشتركون في هوس تحويل الإنسان إلى “كيان تقني”. نجد إيلون ماسك الذي يسعى لربط الدماغ البشري بالذكاء الاصطناعي عبر شرائح “Neuralink”، معتبراً أن ترقية الإنسان بالآلة هي السبيل الوحيد للبقاء، ونجد بيتر ثيل الملياردير الذي يضخ المليارات لهزيمة الشيخوخة ويعتبر الموت “عدواً يجب هزيمته” لا حقيقة بيولوجية.
أما ري كيرزويل، المدير الهندسي في جوجل، فينتظر لحظة “التفرد” لتحميل وعيه كاملاً على حاسوب عملاق، ليعيش للأبد كـ “بيانات” رقمية. وفي الخلفية، يبرز المفكر يوفال نوح حراري الذي يُنظّر لهذا التحول في كتابه “الإنسان الإله”، محذراً من أن التكنولوجيا ستقسم البشرية إلى نخبة “آلهة” خالدين، وعوام “بشر غير ضروريين”.
هؤلاء يملكون قدرات هائلة تتراوح بين الممكن والخيالي مثل :
• تعديل الشفرة الوراثية : القدرة على حذف “العيوب” وإضافة “ميزات” خارقة.
• التحكم في الوعي : دمج البيولوجيا بالسيليكون لتجاوز حدود الإدراك الطبيعي.
• تجاوز الموت : عبر تكنولوجيا التجميد أو إطالة عمر الخلايا جذرياً.
وهنا نجد أن الإنسانية تترنح أسئلة الهاوية أمام هذا التغول التقني، تقف البشرية اليوم عاجزة عن الإجابة على تساؤلات وجودية مصيرية :
هل يحق للإنسان أن يتلاعب بجيناته ويغير مسار التطور الطبيعي الذي استغرق ملايين السنين؟ هل سنصل إلى يوم نعتبر فيه “الكائن الهجين” بشراً له حقوق، أم مجرد “ملكية فكرية” لشركة تكنولوجيا؟ هل ستكون نهاية البشرية “البيولوجية” على يد العلم الذي خُلق أصلاً لخدمتها؟ وهل سيتحول العالم إلى طبقتين : “آلهة” خالدين يملكون التقنية، و”بشر طينيين” محكوم عليهم بالزوال؟.
في عالم يحاول فيه هؤلاء “الآلهة الجدد” الهروب من بشريتهم عبر التكنولوجيا والتناسخ والتطوير الجيني، يبقى السؤال الأهم يتردد في أروقة الروح: هل تبقى قيم مثل “التضحية”، “الحب”، أو حتى “الجنون الأدبي” هي الحصن الأخير الذي يثبت أننا لا زلنا بشراً؟.
ربما في نهاية المطاف نجد في حقيقتنا ككائنات تخطئ، وتمرض، وتموت .. في هذا ” الضعف ” تحديداً، تكمن الجمالية الكبرى للحياة، الحقيقة الوجدانية التي لن تدركها أبداً “شرائح السيليكون”.