المأسسة الدستورية للهوية الكوردية: نحو عقد اجتماعي جديد في سوريا

د. ابراهيم الشرفاني
أستاذ مساعد – القانون الدستوري والنظم السياسية

المقدّمة

تمثّل الهوية الكوردية في سوريا إحدى أعقد الإشكاليات الدستورية–السياسية في المنطقة، إذ تتجاوز حدود الاعتراف الثقافي أو التمايز القومي التقليدي لتطرح سؤالاً بنيوياً حول طبيعة الدولة والشرعية: كيف يمكن تحويل الهوية من إمكان رمزي إلى أنطولوجيا سياسية متجذّرة عبر المأسسة الدستورية؟
هذا السؤال يرتبط مباشرة بأزمة العقد الاجتماعي السوري، الذي أُعيد إنتاجه تاريخياً على أسس أحادية وإقصائية، مما ولّد فجوة عميقة بين الهوية والدولة.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن الاعتراف الدستوري بالهوية لا يكتسب قيمته السياسية ولا ينتج شرعية مستدامة ما لم يُدمج ضمن مشروع داخلي قادر على إعادة صياغة العقد الاجتماعي على أسس التعددية والتنوع الثقافي والمواطنة المتساوية. ومن هنا، تسعى المقالة إلى تحليل العلاقة الجدلية بين الهوية والاعتراف والشرعية، مستندًا إلى مقاربات فلسفية وتجارب دستورية مقارنة (كوردستان العراق، كيبيك، جنوب السودان)، مع تركيز خاص على الحالة الكوردية في سوريا.
الهدف الرئيس هو إبراز أن المأسسة الدستورية للهوية الكوردية ليست مجرد مطلب قانوني أو سياسي، بل شرط لإعادة بناء الدولة السورية على أسس جديدة، حيث يصبح الاعتراف الدستوري جزءاً من منظومة مؤسساتية قادرة على دمج التنوع وضمان الشرعية والاستقرار.

أولًا: الهوية بين الرمزية والمأسسة الدستورية

1. الهوية الرمزية
تقوم الهوية الرمزية على عناصر اللغة والذاكرة الجمعية والرموز القومية، غير أنها تظل، في غياب الإطار المؤسسي، هوية غير منتجة للشرعية السياسية. ويظهر ذلك بوضوح في التجربة الكوردية السورية، حيث بقيت الهوية حاضرة في المجال الثقافي والوجداني، دون أن تُترجم إلى تمثيل فعلي داخل مؤسسات الدولة.

2. الهوية الدستورية – المؤسسية
تمثل الهوية الدستورية فعلاً سياسياً يتجسّد في نصوص دستورية ومؤسسات قادرة على إنتاج الشرعية وضمان استدامة الدولة. وفي سياق المجتمعات التعددية، تُعرَّف هذه الهوية بوصفها إطاراً قانونياً ينظّم التنوع عبر مبادئ دستورية ومؤسسات رسمية تكفل المساواة والتعددية والاندماج الوطني؛ كما في تجارب مقارنة:
• إقليم كوردستان – العراق: انتقال الهوية الكوردية من مستوى رمزي إلى منظومة مؤسساتية ضمن إطار دستوري فيدرالي (المادة ١١٧ من الدستور العراقي).
• كيبيك الكندية: تحوّل اللغة الفرنسية من رمز ثقافي إلى عنصر مؤسسي مركزي في التشريعات والسياسات التعليمية.

ثانيًا: الاعتراف الدستوري وجدلية الشرعية
لا يُعدّ الاعتراف مجرّد إقرار قانوني، بل عملية جدلية معقّدة تربط الفرد والجماعة بالمؤسسات السياسية.
• الاعتراف الداخلي – المؤسسي: يحوّل الهوية إلى قوة سياسية مستقرة عندما يُدمج داخل البنية الدستورية للدولة، بما يضمن إنتاج الشرعية من الداخل.
• الاعتراف الخارجي – الشكلي: يظل هشّاً وقابلاً للانهيار إذا لم يستند إلى مشروع داخلي متماسك، كما في حالة جنوب السودان، حيث سبق الاعتراف الدولي اكتمال البناء المؤسسي الوطني.

ثالثاً: الهوية الكردية في سوريا وغياب العقد الاجتماعي

1. التأصيل التاريخي
أسّست السياسات البعثية منذ ستينيات القرن العشرين، ولا سيما الإحصاء الاستثنائي لعام 1962، لحرمان قانوني ودستوري ممنهج، أخرج شريحة واسعة من الكورد من إطار المواطنة الكاملة، ورسّخ قطيعة بنيوية بين الهوية والدولة.

2. التجربة المعاصرة للإدارة الذاتية
تمثّل تجربة الإدارة الذاتية في كوردستان الغربية – سوريا محاولة جزئية للمأسسة السياسية للهوية الكوردية، غير أنها تظل محدودة الفعالية بسبب غياب الشرعية الوطنية الشاملة، وافتقارها إلى توافق دستوري سوري جامع.

3. العامل الإقليمي والدولي
تشكّل التدخلات الإقليمية، ولا سيما الدور التركي، إلى جانب تباين المواقف العراقية والتجاذبات الأمريكية – الروسية، عوامل بنيوية تعيق تشكّل مشروع داخلي متكامل للمأسسة الدستورية.

رابعاً: المقارنة الدولية
• إقليم كوردستان العراق: نموذج للاعتراف الداخلي – المؤسسي ضمن إطار فيدرالي.
• كيبيك: نموذج للاستقرار السياسي عبر دمج الهوية اللغوية في المؤسسات التشريعية والتعليمية.
• جنوب السودان: مثال للاعتراف الخارجي – الشكلي الذي افتقر إلى مشروع وطني جامع.
• كاتالونيا: حالة وسطية، حيث لم يمنع الاعتراف الدستوري استمرار النزاعات نتيجة غياب توافق سياسي شامل.
• بلجيكا والبوسنة والهرسك: نماذج لتقاسم السلطة الدستوري الذي يحوّل التعددية إلى إطار مؤسسي مستدام.

خامساً: النتائج والخلاصة الدستورية
تخلص الدراسة إلى أن التحول نحو المأسسة الدستورية للهوية الكوردية في سوريا يقتضي توافر الشروط الآتية:

1. الانفتاح الواعي على التجارب الدولية، وفي طليعتها تجربة إقليم كوردستان، ولا سيما الرصيد الفكري والسياسي المتراكم في خبرة الرئيس مسعود البارزاني، بوصفها معرفة مُعاشة تُنير مسارات الفعل وتُعمّق فهم التحولات التاريخية.
2. توحيد الفاعلين السياسيين الكورد والسوريين ضمن مشروع وطني جامع.
3. صياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على التعددية والتنوع الثقافي والمواطنة المتساوية.
4. معالجة الإرث التاريخي للإقصاء عبر إصلاحات دستورية وقانونية شاملة.
5. إدراج اللغة الكوردية كلغة رسمية، وضمان تمثيل سياسي فعّال عبر مؤسسات فدرالية (اتحادية) أو حكم ذاتي متطور.

الخاتمة

إن المأسسة الدستورية للهوية الكوردية في سوريا ليست مجرد مطلب ثقافي أو سياسي، بل تمثل شرطاً بنيوياً لإعادة بناء الدولة على أسس الشرعية والتعددية. فالهوية، إذا بقيت في حدود الرمزية، تظل عاجزة عن إنتاج الاستقرار أو صياغة إرادة عامة جديدة، بينما يتحول الاعتراف الدستوري إلى ممارسة فاعلة فقط حين يُترجم إلى مؤسسات قادرة على دمج التنوع في البنية الوطنية وإعادة إنتاجه في المجال السياسي.

وتُظهر التجارب المقارنة أن الاعتراف الخارجي أو الشكلي، كما في حالة جنوب السودان، لا يكفي لضمان الشرعية، في حين أن النماذج التي دمجت الهوية في المؤسسات الدستورية – مثل كيبيك – نجحت في تحويل التعددية إلى مصدر قوة واستقرار. ومن هنا، فإن مستقبل الهوية الكوردية في سوريا يتوقف على قدرة الفاعلين السياسيين والاجتماعيين على بلورة عقد اجتماعي جديد، يستلهم من نظريات العقد الاجتماعي الكلاسيكية والمعاصرة (جون لوك، جان جاك روسو، جون راولز) فكرة حماية الحقوق الطبيعية، وصياغة الإرادة العامة، وضمان العدالة كإنصاف.

وعليه، فإن أي مشروع دستوري سوري مقبل لن يكتمل إلا إذا تجاوز الإرث التاريخي للإقصاء، وأعاد تعريف المواطنة على أساس المساواة والتنوع الثقافي والتعددية، بحيث تصبح الهوية الكوردية منظومة مؤسساتية دستورية، سواء في إطار فيدرالي أو حكم ذاتي متطور، باعتبارها جزءاً أصيلاً من الشرعية الوطنية.
إن إعادة بناء الدولة السورية تتطلب عقداً إجتماعياً جديداً، لا يكتفي بالاعتراف الشكلي، بل يؤسس لمأسسة دستورية متجذّرة، قادرة على تحويل الهوية من إمكان رمزي إلى أنطولوجيا سياسية تُعيد تعريف الدولة نفسها وتضمن استقرارها المستقبلي.

قد يعجبك ايضا