د. ضياء عبد الخالق المندلاوي
في الذكرى التاسعة والثلاثين لرحيل القائد المناضل إدريس بارزاني، لا تستعاد الذاكرة بوصفها ماضياً منقضياً، بل باعتبارها وعياً حيّاً يتفاعل مع الحاضر ويؤسس للمستقبل. فاستذكار القادة التاريخيين لا يكتسب معناه من الزمن، بل من قدرتهم على التحول إلى مرجعية فكرية وسلوكية تواصل إنتاج المعنى في سياقات سياسية متغيرة. ومن هذا المنظور، تمثل تجربة إدريس بارزاني إحدى المحطات المفصلية في تشكّل الوعي النضالي الكوردي المعاصر.
لم يكن إدريس بارزاني قائداً يتعامل مع القضية من موقع رمزي أو فوقي، بل انطلق من فهم عميق للإنسان بوصفه جوهر الصراع وغايتَه. انحاز منذ بداياته إلى المقهورين والمهجّرين والكادحين، لا بخطاب عاطفي، بل برؤية تربط تحرر الشعوب بالعدالة الاجتماعية، وتؤكد أن استعادة الأرض تفقد معناها إن لم تُفضِ إلى استعادة الكرامة الإنسانية. ولهذا لم تتحول الجماهير في خطابه إلى أرقام أو أدوات، بل بقيت الفاعل الحقيقي في معادلة النضال.
تميزت تجربته بقدرة استثنائية على التواصل مع المجتمع بلغته وثقافته اليومية، فكان قريباً من الناس، يستعين بالحكاية الشعبية والمثل الكوردي لتبسيط المفاهيم النضالية، دون أن يفرّغها من عمقها. وفي هذا الاقتراب، أعاد تعريف الثورة بوصفها فعلاً جماعياً واعياً، لا مشروع نخبة منعزلة، ولا فعلاً معزولاً عن السياق الاجتماعي والثقافي للشعب.
سياسياً، لم يتعامل إدريس بارزاني مع النضال بوصفه خياراً عسكرياً صرفاً، بل كمسار متكامل تتكامل فيه المقاومة مع الوعي والتنظيم. وحين انخرط في ثورة أيلول العظيمة عام 1961، كان مدركاً أن المواجهة المسلحة ليست غاية بحد ذاتها، بل أداة للدفاع عن الوجود السياسي والحقوق المشروعة. وقد حافظ، في مختلف المراحل، على توازن دقيق بين الصلابة المبدئية والمرونة التكتيكية، دون أن يسمح للثوابت أن تتحول إلى أوراق تفاوض.
ينتمي إدريس بارزاني فكريا ونضالياً إلى مدرسة البارزاني التي أسسها القائد الخالد مصطفى بارزاني، وهي مدرسة أعادت تعريف القيادة بوصفها مسؤولية تاريخية، وربطت بين البعد القومي والقيم الإنسانية، وجعلت الكرامة الوطنية معياراً لأي ممارسة سياسية. ومن هذا الإرث، تشكّل وعيه السياسي، فحمل النهج لا كذكرى، بل كممارسة متجددة تستجيب لتحولات الواقع دون التفريط بجوهر القضية.
وقد شكّلت مرحلة ما بعد اتفاقية الجزائر السيئة الصيت اختباراً قاسياً لهذا النهج، حيث واجهت الثورة الكوردية واحدة من أعقد لحظاتها. غير أن إدريس بارزاني وقف شامخًا مع شقيقه ورفيق دربه الرئيس مسعود بارزاني، وتعاملا مع تلك المرحلة بوصفها لحظة مراجعة وإعادة بناء، لا انكسار أو نهاية. وفي هذا السياق، برز ايمانهما بوحدة الصف الكوردي كشرط أساسي لاستمرار المعنى الثوري، وهو ما تجسّد عملياً في ثورة كولان بوصفها استعادة واعية لروح المقاومة وتجديداً للعهد النضالي في مواجهة محاولات الإلغاء.
ومن هذا الإدراك ساهم في ترسيخ التفاهمات، التي مهّدت لتشكيل الجبهة الكوردستانية والإطار الذي أتاح للشعب التعبير عن إرادته في انتفاضة عام 1991 وتشكيل حكومة إقليم كوردستان، وكثير من المنجزات والمكاسب القومية والوطنية التي نعيشها اليوم.
إن إرث إدريس بارزاني لا يُقاس بما أنجزه في زمنه فحسب، بل بقدرته على الاستمرار كمرجعية نضالية وفكرية. بعد تسعة وثلاثين عاماً على رحيله، تظل تجربته مصدر إلهام في مواجهة التحديات، وتذكيراً بأن الثورة ليست حدثاً عابراً، بل مساراً طويلاً يتجدد عبر الوعي والممارسة.
كما تشكل هذه التجربة مسؤولية حقيقية للحفاظ على المنجزات، وتعزيز الوحدة، والتمسك بالحقوق المشروعة، نحو كوردستان حرّة، وشعبٍ لا يساوم على حقوقه، ونضال يقوده الإيمان بالقضية تحت راية القيادة الشرعية للرئيس مسعود بارزاني.
فالثورة التي تتأسس على العدالة والكرامة لا تموت، بل تواصل حضورها وتأثيرها في ضمير الأجيال.