إدريس بارزاني.. “مهندس المصالحة” والظل الذي لا يغيب في فكر الرئيس بارزاني

أ.د.خليل مصطفى عثمان

في الذاكرة السياسية للشعوب، ثمة رحيلٌ لا يُقاس بالسنوات، بل بحجم الفراغ الذي يتركه خلفه. وبالنسبة للرئيس مسعود بارزاني، يمثل الحادي والثلاثين من كانون الثاني عام 1987 تاريخاً لجرحٍ لا يندمل؛ حين غيّب الموت المفاجئ شقيقه ورفيق دربه إدريس بارزاني. هذا الرحيل لم يكن مجرد غياب لشخصية قيادية، بل كان فاجعةً وصفها الرئيس في مذكراته بكلماتٍ تقطر وفاءً: “ليتني كنتُ أنا الفداء مكانه”.
لم تكن علاقة الرئيس بارزاني بشقيقه الراحل مجرد رابطة دم، بل كانت وحدة حالٍ ومصير في خنادق النضال و المقاومة. يستذكر الرئيس بارزاني في كتابه (بارزاني والحركة التحررية الكوردية) تلك اللحظات العصيبة، حينما كان يقود العمليات في جبهات القتال من اجل تحرير شعبه، ليصل إليه نبأ رحيل “السند” و”الجبل الشامخ”.
يسرد الرئيس بارزاني بمرارة لحظات تلقيه البرقية الفاجعة بعد صلاة الفجر، واصفاً إياها بالصدمة التي “أظلمت الدنيا في عينيه”. وفي كلماتٍ وجدانية كتبها في يومياته، خاطب شقيقه الراحل قائلاً: “أخي.. لقد نكئت جراحنا من جديد.. ألم نتعهد ألا نترك بعضنا؟ لكن القدر كان أسرع، ويبدو أن الوالد (البارزاني الخالد) اشتاق إليك، لكننا كنا بحاجة إليك أكثر”.
لم تكن مكانة إدريس بارزاني نابعة من كونه ابناً لعائلة عريقة فحسب، بل من رؤيته السياسية الثاقبة التي أنقذت الحركة التحررية الكوردية من الانقسامات في ثمانينيات القرن الماضي. فبعد نكسة عام 1975، وما تبعها من ظروف معقدة، برز إدريس بارزاني كعرّابٍ للوئام، حيث آمن بأن قوة الكورد في وحدتهم وتعدديتهم السياسية. وبفضل جهوده، تحققت “المصالحة الوطنية” عام 1986، وهو المنجز التاريخي الذي منحه بجدارة لقب “مهندس المصالحة”، بعد أن نجح في رأب الصدع بين مختلف القوى السياسية الكوردستانية.
تميز الراحل إدريس بارزاني بصلابة الموقف الدبلوماسي المستمد من قيم الثورة. ويذكر التاريخ موقفه الشجاع في طهران حين واجه كبار المسؤولين هناك رداً على اتهامات بالتبعية السياسية، قائلاً بلهجة الواثق: “نحن شعبٌ سُلبت حقوقه، ولسنا أدوات بيد أحد.. اقتلونا أو قطعونا إرباً، لكننا لن نكون تابعين لأحد”. هذا الموقف لم يعزز هيبة الحزب فحسب، بل رسخ احترام القوى الإقليمية للقرار الكوردي المستقل.
لم يمنعه الانشغال بالعمل السياسي والعسكري من أن يكون قريباً من معاناة الناس. عُرف إدريس بارزاني بتواضعه الجم وصبره الطويل؛ فكان يفتح بيته لعلاج الجرحى، ويشرف شخصياً على شؤون اللاجئين، ويواسي عوائل الضحايا. كان يرى في “البيشمركة” عماد القضية، ويوصي الشباب دوماً بأن الكرامة القومية هي البوصلة التي يجب ألا تُفقد مهما اشتدت العواصف.
إن استعادة سيرة إدريس بارزاني اليوم في فكر ورؤية الرئيس مسعود بارزاني، ليست مجرد استذكارٍ لحدثٍ تاريخي، بل هي استلهام لمدرسة في “الوفاء والاعتدال”. لقد رحل “كاك إدريس” جسداً، لكنه بقي “نهجاً” في الوحدة الوطنية، وظلاً يرافق الرئيس في كل محطة من محطات بناء كوردستان، مؤكداً أن القادة العظام هم من يبنون الجسور في وقت الحروب، ويصنعون السلام في زمن الشقاق.

قد يعجبك ايضا