نوري جاسم
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات السياسية والاجتماعية في العراق والمنطقة، يصبح الحديث عن بناء الدولة الحقيقية أكثر من مجرد شعارٍ يُرفع في المناسبات، بل ضرورة وطنية وأخلاقية تتطلب شجاعة القرار ووضوح الرؤية. إن العراق اليوم يقف على مفترق طرق تاريخي، بين أن يستمر في دوامة الأزمات المتكررة، أو أن يتجه نحو مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار للإنسان والدولة والمؤسسات. لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحلول الترقيعية لم تعد كافية، وأن الخطاب الانفعالي لا يصنع استقرارًا، وأن التنافس على السلطة دون مشروع تنموي لن يورث سوى مزيد من الإحباط الشعبي. إن المجتمع العراقي، بكل تنوعه القومي والديني والمذهبي، يمتلك طاقة حضارية هائلة، لكنه بحاجة إلى إدارة رشيدة تحترم القانون وتضع مصلحة المواطن فوق الحسابات الضيقة. كما أن بناء الثقة بين الدولة والشعب يبدأ من محاربة الفساد بجدية، وإعلاء قيمة العدالة الاجتماعية، وضمان فرص العمل للشباب، ودعم التعليم بوصفه حجر الأساس لأي نهضة مستدامة. وفي ظل التحديات الإقليمية والدولية، فإن العراق مطالب بأن ينتهج سياسة متوازنة تحفظ سيادته وتمنع تحويله إلى ساحة صراع للآخرين، فالدولة القوية هي التي تحمي قرارها الوطني وتبني علاقاتها على المصالح المشتركة لا على التبعية. إن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة وعي وطني جديد، ومرحلة تفعيل دور النخب الثقافية والفكرية في توجيه الرأي العام نحو قيم البناء لا الهدم، ونحو ثقافة الحوار لا الإقصاء. فالعراق لا ينقصه التاريخ ولا الثروات ولا الإنسان، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية صادقة ومشروع مجتمعي يعيد ترتيب الأولويات: دولة تحمي المواطن، واقتصاد ينتج، ومؤسسات تعمل، وهوية وطنية تتسع للجميع. إن الأمل لا يزال ممكنًا، لكن الأمل وحده لا يكفي، بل لابد من عملٍ جاد ومسؤول يضع العراق في المكان الذي يستحقه بين الأمم. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..