حين يختلط القبح بالاختيار

الصحفي والمحامي عرفان الداوودي

لسنا شعبًا ملائكيًا، كما لسنا كتلةً واحدة من الخيانة. نحن مجتمعٌ متعب، مُنهك، جُرِّد من التربية قبل أن يُطالَب بالاختيار، ومن النظام قبل أن يُحاسَب على الفوضى.

حين يعجز المواطن عن وضع القمامة في مكانها الصحيح، فكيف نطالبه أن يضع الشخص المناسب في المكان المناسب؟
هذه ليست إهانة للشعب، بل إدانة للمنظومة التي حطّمت الذائقة، وكسرت ميزان القيم، وعلّمت الناس التعايش مع الخطأ حتى صار عادة.

لقد قيل قديمًا: الطيور على أشكالها تقع،
وفي أوطانٍ مختلّة، لا يتقدّم إلا من يُشبه الفوضى، ولا يعلو الصوت إلا لمن أتقن التلوّن، ولا يُكافأ إلا من باع المبدأ بثمنٍ بخس.

الشعب ليس واحدًا.
فيه الوطني الشريف الذي يدفع الثمن بصمته أو فقره أو عزله.
وفيه الخائن الذي يبدّل جلده مع كل مرحلة.
وفيه المرتزق الذي لا يعرف وطنًا بل يعرف جهة الدفع.
وفيه الملوَّن الذي يغيّر مواقفه أسرع من تغيّر العناوين.
وفيه المأجور الذي يكتب ويصرخ ويصفّق بلا خجل.
وفيه اللوگي، والعصابات، والمافيات، الذين وجدوا في الفوضى بيئةً مثالية للازدهار.

المشكلة ليست في صناديق الاقتراع وحدها، بل في العقول التي جرى تدجينها، وفي الضمير الذي أُنهك حتى تعب من الرفض.
حين يُكافأ الكذب، ويُعاقَب الصدق، ويُهمَّش الشريف، ويُصنَّف الحرّ على أنه مشكلة، فلا تسأل لماذا تتكرر الوجوه نفسها.

التلوّن ليس ذكاءً، بل مرض.
والصمت عن المتلوّنين ليس حكمة، بل مشاركة في الجريمة.
والوطن لا ينهار دفعةً واحدة، بل يسقط قطعةً قطعة، حين نصافح من طعننا، ونبرّر لمن خاننا، ونصفّق لمن أهاننا.

ومع ذلك…
سيبقى في هذا الشعب من يشفي الجرح لا يغطّيه،
ومن يقول الحقيقة ولو كانت مُرّة،
ومن يؤمن أن الأوطان لا تُبنى بالمتلوّنين، بل بالثابتين .

قد يعجبك ايضا