سالي علي
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، جاء الاتفاق المُعلن بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية تحت عنوان “وقف إطلاق النار والدمج التدريجي”، ليُقدَّم بوصفه خطوة نحو الاستقرار وتوحيد الجهود لإعادة بناء البلاد. غير أن قراءة متأنية لبنوده تكشف أن ما يجري يتجاوز كونه تفاهمًا أمنيًا مؤقتًا، ليمسّ جوهر المشروع السياسي الكوردي في روژ آڤا كوردستان ومستقبل الحقوق القومية للشعب الكوردي في سوريا.
من حيث الشكل، يحقق الاتفاق تهدئة عسكرية ضرورية بعد سنوات من الاستنزاف، ويخفف من معاناة المدنيين، ويمنح المنطقة فترة من الهدوء النسبي. لكن من حيث المضمون، يقوم على مبدأ أساسي: إعادة دمج القوات والمؤسسات التي نشأت في إطار الإدارة الذاتية ضمن هياكل الدولة السورية المركزية، دون أي إطار دستوري واضح يضمن خصوصية الكورد أو حقوقهم الجماعية.
وهنا تكمن الإشكالية الجوهرية.
فالدمج العسكري، عبر تشكيل ألوية تابعة للجيش السوري، يعني عمليًا إنهاء الاستقلالية الأمنية التي كانت تشكّل أحد أعمدة القوة السياسية في روژ آڤا. أما دمج المؤسسات المدنية والإدارية، فيحمل خطر تفريغ تجربة الإدارة الذاتية من مضمونها، وتحويلها إلى مجرد جهاز بيروقراطي تابع للمركز، بعد أن كانت مشروعًا لإدارة محلية قائمة على خصوصية المنطقة وتوازن مكوّناتها.
الأخطر من ذلك أن الاتفاق يتحدث عن “تسوية الحقوق المدنية والتربوية للكورد” دون أي ذكر صريح للحقوق القومية أو السياسية، ولا لأي شكل من أشكال اللامركزية الدستورية. وهذا يعيد إنتاج المنطق القديم نفسه: منح بعض الحقوق الفردية مقابل تجاهل الوجود القومي للشعب الكوردي.
بمعنى آخر، يُعاد التعامل مع الكورد كمجموعة سكانية تحتاج إلى تسهيلات إدارية، لا كشعب له قضية تاريخية وحقوق سياسية يجب الاعتراف بها.
إن التجربة السورية، كما تجارب المنطقة عمومًا، تثبت أن أي حلول لا تقوم على ضمانات دستورية واضحة تبقى عرضة للتراجع في أول تغيير سياسي أو أمني. فالسلطة المركزية التي تستعيد اليوم السيطرة عبر “الدمج”، تستطيع غدًا سحب أي مكتسبات جزئية بذريعة السيادة أو الأمن أو وحدة الدولة.
ومن هنا، فإن أحد أبرز الآثار السلبية المحتملة لهذا الاتفاق هو:
تحويل القضية الكوردية من ملف سياسي قومي إلى ملف إداري خدماتي.
بدل أن تكون المطالب مرتبطة بالاعتراف الدستوري واللامركزية والهوية، تصبح محصورة في الرواتب، الوظائف، وبعض الحقوق المدنية، وهي أمور يمكن التحكم بها سياسيًا في أي وقت.
كذلك، فإن فقدان السيطرة الأمنية والإدارية التدريجية يعني إضعاف القدرة التفاوضية للكورد في أي مسار سياسي مستقبلي. فالقوة على الأرض كانت دائمًا ورقة أساسية في فرض الحضور الكوردي على طاولة الحل السوري. ومع ذوبان هذه القوة داخل مؤسسات الدولة، يفقد الكورد أحد أهم عناصر الضغط السياسي.
أما على المستوى القومي الأوسع، فإن الاتفاق يبعث برسالة خطيرة مفادها أن أقصى ما يمكن أن يحصل عليه الكورد بعد سنوات من التضحيات ومحاربة داعش هو العودة إلى كنف الدولة المركزية دون ضمانات حقيقية، وهو ما يهدد بإعادة إنتاج المظلومية نفسها التي انطلقت منها الثورة السورية أساسًا.
لا يمكن إنكار أهمية التهدئة وحماية المدنيين، لكن تحويل الاستقرار إلى بوابة لتصفية المكاسب السياسية يُعدّ ثمنًا باهظًا.
فالاستقرار الحقيقي لا يُبنى على إذابة الهويات، بل على الاعتراف بها ضمن عقد وطني عادل.
الخلاصة أن هذا الاتفاق، بصيغته الحالية، قد ينجح في إخماد الجبهات مؤقتًا، لكنه يحمل في طيّاته خطر تقويض المشروع السياسي الكوردي في روژ آڤا، وإعادة القضية الكوردية في سوريا إلى مربع الوعود الإدارية بدل الحقوق الدستورية.
وما لم تُربط أي عملية دمج باعتراف صريح بالحقوق القومية للكورد، وضمان نظام لا مركزي حقيقي، فإن ما يجري اليوم لن يكون حلًا، بل إعادة تدوير للأزمة بشكل أكثر هدوءًا… وأطول أمدًا.