شــــريف علي
لم تعد سوريا تعيش أزمة عابرة، ولا حرباً يمكن اختصارها بتسويات شكلية، بل دخلت مرحلة المخاض الأصعب، مرحلة يُعاد فيها تشكيل الدولة أو تفكيكها نهائياً، بينما يُترك الشعب السوري بكل أطيافه رهينة صراعات لا يملك قرارها ولا يتحكم بمسارها. فالمعركة اليوم لم تعد على السلطة فحسب، بل على معنى سوريا نفسها، هل هي دولة أم ساحة؟ وطن أم وظيفة إقليمية؟
في الداخل، تحوّل الانقسام إلى أداة لإدامة الحرب. قوى الأمر الواقع رسّخت نفوذها بالسلاح وشرعنته بالخوف، أما المواطن السوري فلم يعد جزءاً من معادلة وطنية، بل تفصيلاً مهملاً في مشاريع الآخرين، وفي قلب هذا المشهد الداخلي، تبرز القضية الكوردية بوصفها أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، ليس لأنها مشكلة طارئة، بل لأنها جزء أصيل من البنية الوطنية السورية التي أُهملت لعقود. فالكورد، ليس كغيرهم من المكونات السورية، فقد دفعوا ثمن سياسات التمييز العرقي والتغيير الديموغرافي والإقصاء والإنكار إن معالجة القضية الكوردية لا يمكن أن تتم أمنياً أو عبر تفاهمات ظرفية، بل عبر إطار دستوري واضح يضمن الحقوق الثقافية والسياسية والإدارية، ويعيد دمج الكورد في مشروع وطني جامع لا يقوم على الغلبة ولا على الخوف، بل على الشراكة والمواطنة المتساوية وهذا ما أكدعليه دائما الزعيم الكوردستاني مسعود بارزاني سيما خلال جهوده الحثيثة وعلى كافة المستويات في الآونة الأخيرة للتوصل إلى حل سلمي للقضية الكوردية في سوريا .
اما ما يُسمّى بالعملية السياسية لم يعد سوى مظلة لتدوير الأزمة وإطالة أمد الوصاية الخارجية على القرار السوري . دستور مؤجل، مفاوضات بلا نهاية، لشراء الوقت لا لصناعة الحل، والسكوت عن الجذور الفكرية للعنف ليس حياداً، بل مشاركة غير مباشرة في صناعة موجات جديدة من الدم من خلال إستثمار الفوضى لإعادة إنتاج التطرف لا لمواجهته.
إقليمياً، تُدفع سوريا قسراً لتكون ساحة لتصفية الحسابات، إيران على خط النار مع أمريكا وإسرائيل ، تركيا والكورد في ميزان الصراع، روسيا وأمريكا في لعبة النفوذ البارد، كل طرف يتعامل مع الأرض السورية كمساحة اختبار، فيما يُطلب من السوريين الانتظار بصمت لما سيُقرَّر لهم،وفي ظل هذا المشهد المعقد، تقف البلاد أمام مفترق طرق حاسم. فالمخاض الحالي قد يقود إلى أحد مسارين متناقضين تماماً إما التعافي أو الانهيار.
سيناريو التعافي فيبدأ حين يستعيد السوريون زمام المبادرة عبر إرادة وطنية جامعة تتجاوز الانقسامات من خلال طاولة حوار مستديرة تضم جميع المكونات السورية، وتقوم على الاعتراف المتبادل وقبول الآخربروح المسؤولية الوطنية ويؤسس لدولة لامركزية،عندها يصبح ممكناً استعادة القرار الوطني وصياغة عقد دستوري جديد يقوم على الإقرار بالحقوق المشروعة لكل المكونات و إطلاق مصالحة وطنية شاملة تعالج ملفات المعتقلين والمفقودين والمهجّرين، وربط إعادة الإعمار بالعدالة والسيادة لا بالصفقات السياسية،
أما سيناريو الانهيار يتجسد حين تستمر المعادلات الحالية دون تدخل وطني حاسم، فتترسخ خطوط التماس كحدود فعلية، وتتحول مناطق النفوذ إلى كيانات شبه مستقلة، ويتوسع اقتصاد الحرب والتهريب، وتندلع صدامات بين القوى المحلية على الموارد والنفوذ، والانهيار هنا لا يحدث دفعة واحدة، بل يتسلل ببطء حتى تتآكل فكرة الدولة السورية نفسها.
لم يعد المطلوب حلولاً تجميلية ولا تسويات مؤقتة، بل قراراً وطنياً قاطعاً ينهي زمن الوصاية ويكسر منطق إدارة سوريا من الخارج. فالمستقبل لن يُمنح للسوريين، بل يُنتزع انتزاعاً. سوريا اليوم أمام لحظة حاسمة: إما أن تنتزع مستقبلها بيدها، أو أن تُستكمل تصفيتها باسم الحل. وفي السياسة، كما في التاريخ، من لا يملك قراره يُكتَب عنه القرار.