بوصلة الأمة: حين تتحول الشخصية التاريخية إلى «مؤسسة»

أحمد زبير باني

في دروب التاريخ الوعرة، لا تُقاس قوة الأمم بمواردها الطبيعية أو ترسانتها العسكرية وحدها، بل بامتلاكها ما يمكن تسميته بـ «مركز الثقل المعنوي»؛ ذلك العامل القادر على تحويل الشتات إلى وحدة، والقلق إلى رؤية. هذا المركز هو المرجعية: مفهوم يتجاوز المكاتب الرسمية والمناصب الزائلة، ليغدو صمام أمان حين تعجز المؤسسات، ودرعًا واقيًا عندما تشتد العواصف.

الرمزية… أكثر من مجرد قيادة

الفارق الجوهري بين المسؤول العابر والمرجعية التاريخية يكمن في تراكم الثقة. فالرئيس مسعود بارزاني، في ميزان السياسة المعاصرة، لم يعد يمثل موقعًا إداريًا بقدر ما أصبح رأسمالًا سياسيًا وقوميًا. هذه المكانة لا تُمنح بقرار، بل تُنتزع بصبر العقود، وبحكمة المواقف التي لا تحتمل الازدواج أو المساومة على الثوابت.

في لحظات الانهيار الجيوسياسي، كما شهدنا في تعقيدات المشهد السوري، يضيع الصوت العقلاني وسط ضجيج السلاح وتشابك المصالح الدولية. هنا تبرز قيمة الرجل–المؤسسة؛ ذلك الذي لا يتحدث باسم حزب أو إقليم فحسب، بل يعبّر عن نبض أمة كاملة. شخصٌ يستطيع، بكلمة محسوبة في عاصمة كبرى، إعادة تصويب معادلات صيغت في الخفاء لتهميش شعبه ومصادرة حقوقه.

دبلوماسية الهيبة ووقاية الدم

الميزة الأهم للمرجعية الحكيمة هي قدرتها على ممارسة ما يمكن تسميته بـ «دبلوماسية الوقاية». فبينما تُدار الحروب بالجيوش، تُمنع الكوارث بالحكمة. وقد أثبتت التجربة أن الوزن النوعي للرئيس بارزاني لم يكن مجرد أداة تفاوض، بل عامل توازن حال دون انزلاق المنطقة إلى صراعات قومية وعرقية مفتوحة، كانت ستكلف الجميع أثمانًا باهظة.

من هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى تقدير دوره دوليًا، وحتى ترشيحه لجوائز السلام، لا تمثل تكريمًا لشخصه فحسب، بل اعترافًا بأن استقرار هذه المنطقة الهشة كان، ولا يزال، مرتبطًا بوجود قيادات تمتلك القدرة على الموازنة بين الحقوق القومية المشروعة ومتطلبات التعايش السلمي مع الآخرين.

المرجعية… إرث للمستقبل

إن بناء المرجعيات هو أصعب أشكال البناء السياسي؛ لأنه يتطلب عمرًا من الثبات على المبادئ، لا تقلبه العواصف ولا تغويه اللحظة. الأمة التي تعرف قيمة رموزها إنما تحمي مستقبلها، لأن التاريخ لا يعترف بالكيانات المشتتة، بل بالأصوات الواثقة التي تمتلك رصيدًا أخلاقيًا يمنحها حق التأثير في الحاضر وصياغة الغد.

ختامًا، تبقى المرجعية تلك المنارة التي لا تكتفي بإنارة الطريق في أوقات الرخاء، بل تمنع السفينة من الغرق حين تعلو الأمواج. هي العهد الذي يصل نضال الأمس بتطلعات الغد، والضمانة بأن صوت الحق لا يضيع، مهما كانت الرياح معاكسة

قد يعجبك ايضا