سواحل تونس مهدّدة بالانجراف و43% من شواطئها تتآكل
متابعة – التآخي
في الفيضانات الأخيرة التي شهدتها تونس،داهمت مياه البحر المناطق الساحلية واقتحمت الأحياء ودخلت المساكن ودمرّت المقاهي والمطاعم المطلة على البحر، في ظاهرة باتت تهدد وجود شواطئ تونس ومستقبلها السياحي.
وفي مساء الاثنين 19 كانون الثاني 2026،وصباح الثلاثاء، تسببت الأمطار الغزيرة في ارتفاع منسوب المياه بعدة مدن، ما أدى إلى شلل في حركة النقل وتعليق الدراسة في عدد من الولايات، وسط تدخلات ميدانية لفرق الحماية المدنية.
وأسفر المنخفض الجوي عن مصرع 5 أشخاص، 4 منهم في مدينة المكنين بولاية المنستير شرقا، والخامس في منطقة الهوارية بولاية نابل شمال شرقي البلاد، فيحصيلة اولية.
وأدت التقلبات الجوية إلى شلل واسع في حركة النقل، اذ أوقفت شركة النقل بالعاصمة حركة قطار الانفاق والحافلات بسبب تراكم المياه على السكك والطرقات، ما دفع السلطات إلى تعليق الدراسة يومي الثلاثاء والأربعاء في 15 ولاية من أصل 24، بسبب تعذر التنقل ومخاطر السلامة.
وتمثلّ الشواطئ الممتدة من شمال تونس إلى جنوبها، إحدى أهم الوجهات التي تعوّل عليها الدولة لجذب السياح وتوفير العملة الصعبة وفرص العمل، غير أنّها تعرّضت في السنوات الأخيرة إلى التآكل وابتلع البحر بعضا من أجزائها.
ويقول الباحث وأستاذ الجامعة بكلية العلوم بصفاقس المتخصص في البيولوجيا البحرية، نوفل مصباحي، إن السواحل التونسية تواجه تهديدا فعليا بالانجراف، خاصة مدن الحمامات وجزيرتي قرقنة وجربة.
وأضاف، أن 43% من الشواطئ الرملية تتعرض للتآكل من أصل 670 كم، بسبب ارتفاع منسوب مياه البحر الذي يتوقع أن يصل بين 30 إلى 50 سم بحلول عام 2050 نتيجة التغييرات المناخية، وكذلك بسبب التدخل البشري بوساطة البناء الفوضوي على الشريط الساحلي والتلوّث والاعتداء على الملك العمومي البحري.
وتسعى الدولة لإيجاد حلول عاجلة ومستدامة تنقذ ما تبقى من الشواطئ وتحميها من التآكل المستمر، اذ بدأت في تنفيذ مشاريع لحماية السواحل تعتمد على جلب الرمال وتثبيتها على الشواطئ، وجرت تهيئة نحو 30 كلم حتى 2024، على أن تتواصل الأشغال في مدينة بنزرت وسواحل نابل لاستكمالها بحلول 2026.
في هذا السياق، قال مصباحي أنّ الشواطئ لازالت قابلة للحماية من خطر الانجراف، إذا ما جرى التدخل الفوري لتعزيز الدفاعات في السواحل المتضررة، إما عن طريق تغذية الشواطئ بالرمال أو عن طريق الحلول القائمة على الطبيعة، بزرع الأعشاب البحرية في المناطق المعرضة للانجراف، بخاصة أن هذه الأعشاب تؤدي دور حاجز لتقدّم البحر، لافتا إلى أنّه جرى تنفيذ هذه التجربة في جزيرة جربة بدعم ألماني.
وبرغم أن هذه المشاريع مكلفة جدا، أشار مصباحي إلى أنّ الدولة تبذل جهودا مدعومة دوليا لحماية الشريط الساحلي الذي يمتد على طول 1148 كلم، بهدف حماية 15% من السواحل المهددة سنويا.
وتصنّف تونس ضمن الدول المتوسطية الأكثر تأثرا بارتفاع منسوب مياه البحر، نظرا لطبيعة سواحلها الرملية المنخفضة وتركّز الأنشطة العمرانية والسياحية على الشريط الساحلي.
الباحث في علم المناخ عامر بحبة يقول، إن ما شهدته تونس ناتج عن منخفض جوي صحراوي قوي، وصفه بأنه من بين الأشد منذ عقود، مشيرا إلى تشابهه مع منخفض بالعام 1969 الذي خلف مئات الضحايا وأضرارا واسعة.
وكانت تونس شهدت في أيلول وتشرين الأول 1969 فيضانات مدمرة أودت بحياة 542 شخصا، ودمرت أكثر من 70 ألف منزل، وشردت نحو 300 ألف شخص.
ويوضح بحبة أن المنخفض تشكل جنوبي البلاد قبل أن يتحرك باتجاه خليج قابس، ثم الساحل الشرقي، وصولا إلى مضيق صقلية، مولدا تيارات هوائية قوية وسحبا كثيفة بسبب دفء مياه البحر، ما تسبب في كميات أمطار استثنائية.
ونوه الى أن ما حدث لا يصنف كإعصار متوسطي بالمعنى العلمي، لغياب “عين الإعصار”، برغم غزارة الأمطار وشدة الرياح.
ويشير إلى أن بعض المناطق سجلت كميات تجاوزت 300 مليمتر في غضون يومين، فيما بلغت إحدى المحطات الخاصة أكثر من 400 مليمتر.
وتواجه المدن الساحلية في العالم تهديدات وجودية من جراء تغير المناخ، أبرزها ارتفاع مستوى سطح البحر، تآكل الشواطئ، والفيضانات المدمرة الناتجة عن العواصف الشديدة، يؤدي التمدد الحراري للمحيطات وذوبان الجليد إلى غمر المناطق المنخفضة، وتلوث المياه العذبة، وتهجير السكان، مما يهدد بنية تحتية حيوية واقتصادات محلية في مدن كالإسكندرية والبصرة وجدة.
ومن أبرز التهديدات المناخية على المدن الساحلية، ارتفاع مستوى سطح البحر، اذ يرتفع منسوب البحار بمعدلات متسارعة (تجاوز 4 ملمسنويا مؤخرا) نتيجة ذوبان الجليد والتمدد الحراري، مما يهدد بغرق مدن منخفضة.
ومن التهديدات الأخرى، الفيضانات وتآكل الشواطئ، اذ تؤدي العواصف القوية والظواهر الجوية المتطرفة إلى تآكل السواحل وتدمير البنية التحتية، الطرق، والمباني السكنية.
ويؤدي تغلغل المياه المالحة إلى طبقات المياه الجوفية (تداخل مياه البحر) إلى تلوث مياه الشرب وتدهور الأراضي الزراعية.
اما التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية فتتمثل في ان المخاطر المناخية تهدد قطاعات السياحة، الصيد، والزراعة، مما قد يؤدي إلى نزوح واسع للسكان وفقدان موائل طبيعية.
والتهديدات المباشرة للمدن العربية خطيرة اذ تعدمدن مثل الإسكندرية (مصر)، والبصرة (العراق)، وجدة، والوجه، وجازان (السعودية) من المناطق الشديدة الهشاشة أمام ارتفاع مستوى سطح البحر.
وطرق التكيف والحماية، تشمل تنشيط الاستثمارفي مصادر الطاقة المتجددة، وتحسين إدارة المياه، تطوير البنية التحتية للحماية (حواجز)، وحماية النظم البيئية الساحلية الطبيعية.