مانيسا النقشبندي
لم يكن ما جرى تجاه قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مجرد سوء تفاهم عابر في حسابات واشنطن بل لحظة تعرية كاملة لطبيعة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
لحظة أُظهر فيها الاستعداد للتخلي عن حليف قاتل نيابة عن العالم ضد داعش ثم ترك ليواجه مصيره في سوق المساومات الإقليمية غير أن المفارقة أن هذا التخلي بدل أن ينهي قسد أعاد تثبيتها كلاعب لا يمكن شطبه.
عندما لوحت الولايات المتحدة بالانسحاب أو خفض الالتزام اعتقدت أطراف إقليمية أن صفحة قسد طويت لكن ما انكشف سريعاً هو أن واشنطن لم تكن تفرط بحليف فقط بل كانت تفتح الباب أمام فراغ أمني وسياسي لا تملك أدوات السيطرة عليه.
شمال وشرق سوريا ليس مساحة سائبة وأي خلخلة فيه تعني فوضى تتجاوز الحدود السورية.
الرهان على بدائل قسد انهار عند أول اختبار
فالفصائل المدعومة تركياً أثبتت عجزها عن إدارة أرض أو بناء استقرار والنظام السوري الجديد بحلته الراديكالية يفتقد القدرة والشرعية للعودة دون انفجار أمني والحديث عن إدارة انتقالية بلا قوة ضابطة كان مجرد وهم إعلامي.
هكذا تبين أن قسد رغم كل التحفظات هي الهيكل الوحيد القائم فعلياً
إن التخلي عن قسد لم يقرأ في غرف السياسة فقط بل في كهوف الصحراء أيضاً حيث عادت خلايا داعش إلى التحرك وارتفعت المخاطر حول السجون والمخيمات وهنا لم يعد النقاش أخلاقياً أو سياسياً بل أمنياً بحثاً.
فمن سيمنع عودة التنظيم؟ الجواب كان فاضحاً في بساطته لا أحد غير قسد.
كانت واشنطن ومعها خصوم قسد تراهن على الانهيار الداخلي لم يحدث ذلك لم تنقسم القيادة ولم تنفجر الجبهات ولم تقدم قسد على مقامرات يائسة.
هذا السلوك الذي يحسب لها لا عليها فرض مراجعة قسرية فنحن لا نتعامل مع ميليشيا طارئة بل مع بنية عسكرية سياسية متماسكة وهذا اعتمد على إرادة شعبية كردية بعيدة كل البعد عن ايديولوجية الاحزاب السياسية التي أثبتت للعالم أن لا عودة للوراء مرة أخرى.
الأخطر لم يكن مصير قسد بل الرسالة التي أرسلت إلى كل شركاء واشنطن… الحليف قابل للبيع عند أول صفقة. استثمرت موسكو وبكين هذه الصورة بذكاء بينما وجدت الولايات المتحدة نفسها مضطرة لترميم مصداقيتها لا دفاعاً عن قسد بل عن نفسها.
أنقرة حاولت تحويل لحظة التخلي إلى نصر استراتيجي لكنها اصطدمت بواقع أن التصعيد لا يصنع بديلاً وأن الاحتلال لا يمنح شرعية ومع تراكم الانتهاكات وغياب الاستقرار تآكل الزخم السياسي للسردية التركية وبدأت الأسئلة تطرح بدل التسليم.
في المقابل أعادت قسد تقديم نفسها بالاعتماد على القاعدة الشعبية الكوردية والبعد نوعاً ما عن ايديولوجية التحزب أنها ليست هنا كمشروع انفصال ولا أداة أمريكية صرفة بل قوة محلية تطرح الاستقرار كأولوية هذا التحول لم يمنحها حماية مطلقة لكنه وسع هامشها السياسي وفرض وجودها في أي نقاش جدي حول مستقبل المنطقة.
في الحقيقة لم يتغير المشهد لأن واشنطن استعادت ضميرها بل لأن التخلي كشف أن حرق قسد يعني إشعال المنطقة بأكملها ووضع الحلفاء الكورد في مواجهة الارهاب كمنطق متفشي في الطرف الأخر .
قسد لم تنتصر سياسياً لكن الكورد نجوا من الإعدام السياسي وأثبتوا أنهم ليسوا ورقة تفاوض… بل عقدة استراتيجية لا يمكن تجاوزها……