الكورد في الصحافة العالمية

أ.د.خليل مصطفى عثمان

نشرت صحيفة Südtiroler Nachrichten الألمانية، في عددها الصادر بتاريخ 28 شباط/فبراير 1965، مقالة تناولت فيها القضية الكوردية في العراق، في سياق تصاعد التوترات السياسية والعسكرية بين الحركة القومية الكوردية والحكومة المركزية آنذاك.
وتوقفت الصحيفة عند أوضاع الکورد السياسية، وطبيعة مطالبهم القومية، واحتمالات تجدد الصراع المسلح، في ظل تعثر تنفيذ الاتفاقات المبرمة بين الجانبين.
ورافق المقال صورة للقائد الكوردي مصطفى البارزاني، بوصفه الشخصية المحورية في قيادة الحركة الكوردية ورمزًا للكفاح القومي الكوردي في تلك المرحلة، حيث قدمته الصحيفة باعتباره قائدًا يتمتع بثقل سياسي وعسكري، وحضور واضح في المشهد العراقي والإقليمي.
وتكتسب هذه المادة الصحفية أهميتها من كونها تعكس رؤية الصحافة الألمانية الغربية المبكرة للقضية الكوردية، وتعاملها معها كمسألة سياسية وحقوقية تتجاوز الإطار الأمني الضيق، وهو ما يجعلها وثيقة إعلامية مهمة لفهم صورة الكورد في الوعي الصحفي الأوروبي خلال ستينيات القرن العشرين.
تعكس التغطية الصحفية الأوروبية للقضية الكوردية خلال ستينيات القرن العشرين بإدراكًا مبكرًا لطبيعة الصراع البنيوي بين الحركة القومية الكوردية والدولة المركزية في العراق. ويأتي مقال صحيفة Südtiroler Nachrichten المعنون «هل هي حرب كوردية ثالثة؟» مثالًا واضحًا على هذا الإدراك، إذ لا يكتفي بوصف الأحداث الميدانية، بل يحاول تفكيك الأسباب السياسية والعسكرية التي جعلت تجدد الحرب احتمالًا قائمًا، رغم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين الحكومة العراقية والقيادة الكوردية.
ينطلق المقال من فكرة مركزية مفادها أن وقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة تحقق السلام. فالكورد، رغم توقف العمليات العسكرية الواسعة، ظلّوا يعيشون في حالة من القلق والترقب. وتُبرز الصحيفة أن جذور هذا القلق تعود إلى التجربة التاريخية المتكررة، حيث غالبًا ما كانت الاتفاقات مع الحكومات المركزية العراقية تُوقّع تحت ضغط عسكري، ثم تُفرغ من مضمونها لاحقًا عبر المماطلة أو النقض التدريجي.
تلفت الصحيفة النظر إلى التناقض الواضح في الخطاب الرسمي العراقي؛ فمن جهة تعلن الحكومة التزامها بوحدة الدولة ورفض الانفصال، ومن جهة أخرى تتهم الكورد بعدم الجدية في قبول الحكم الذاتي، وتبرر بذلك استخدام القوة. ويكشف المقال أن هذا الخطاب لم يكن موجهًا للكورد فحسب، بل أيضًا للرأي العام الدولي، في محاولة لتصوير الصراع على أنه مسألة «تمرد داخلي» لا قضية حقوق قومية.
يُبرز المقال أن السبب الجوهري لتجدد التوتر لم يكن عسكريًا بحتًا، بل سياسيًا وقانونيًا. فالحكومة العراقية – بحسب التوصيف الصحفي – أخلّت بتعهداتها المتعلقة:

بالإفراج عن المعتقلين،

بسحب القوات من المناطق الكوردية،

وبالاعتراف العملي بالإدارة الذاتية.

كما يشير النص إلى لجوء السلطة إلى سياسة تفكيك الصف الكوردي عبر استمالة بعض الشخصيات، وهي سياسة ساهمت في تعميق فقدان الثقة بدل احتواء الأزمة.
كما يعرض المقال قراءة واقعية لميزان القوى، حيث يعترف بتفوق الجيش العراقي من حيث العدد والسلاح الثقيل والطيران، مقابل امتلاك الحركة الكوردية خبرة طويلة في حرب الجبال وحرب العصابات. ويُفهم من التحليل أن هذا التوازن غير المتكافئ كان يدفع الدولة إلى استخدام القوة المفرطة ضد القرى، بينما يدفع الكورد إلى الاعتماد على الصمود والاستنزاف.
من النقاط المهمة التي يركز عليها المقال تفنيد الاتهام الدائم بالسعي إلى الانفصال. إذ تؤكد الصحيفة، نقلًا عن المواقف الكوردية، أن المطالب تتركز على:

حكم ذاتي إقليمي،

إدارة محلية للشؤون الاقتصادية والاجتماعية،

مشاركة عادلة في عائدات النفط، خاصة في كركوك والموصل.
تخلص الصحيفة إلى استنتاج تحذيري مفاده أن استمرار إنكار المطالب الكوردية وخرق الاتفاقات من شأنه أن يقود حتمًا إلى حرب جديدة. وتلمّح إلى أن هذه الحرب، إن وقعت، لن تكون مجرد تكرار للصراعات السابقة، بل قد تحمل أبعادًا إقليمية ودولية أوسع، في ظل تزايد الاهتمام العالمي بالقضية الكوردية آنذاك.
تكشف هذه القراءة التحليلية أن الصحافة الألمانية لم تنظر إلى الصراع الكوردي–العراقي بوصفه حدثًا عابرًا، بل كأزمة سياسية بنيوية ناتجة عن فشل الدولة في استيعاب التعدد القومي. كما يوضح المقال أن «الحرب الكوردية الثالثة» لم تكن نتيجة خيار كوردي، بل ثمرة منطق الدولة المركزية القائم على نقض التعهدات وإدارة التنوع بالقوة.

قد يعجبك ايضا