الستيني يروي تجربته (2 ) رسالة إلى من هم دون الأربعين

د.ابراهيم احمد سمو

بين الشهادة والحياة: رسالة ستيني إلى جيل يبحث عن التوازن

إلى الضالعين في شؤون الحياة، وإلى المحبين لأن يكون لهم دورٌ فيها ويخرجوا منها بسلامٍ وأمان؛ أقول: إن كل شيء بحدود. وكل إنسان مدعوّ في لحظة صدق مع الذات أن يسأل نفسه: هل أستحق أن أتقدم أكثر؟ وبأي طريقة يمكنني ذلك في مجتمعٍ يسوده شيءٌ من الانفلات، ويلعب فيه المزاج الدور الأساس، لا الموقع الأكاديمي، ولا القلم، ولا الفكر، ولا الإبداع؟

لقد صارت الشهادة الأولية شرط القبول، ثم تتبعها الشروط الروتينية: توقيعٌ هنا، وختمٌ هناك، ويدٌ من الخلف تدفع وتوقّع. في أبسط الأحوال، يُحسب النجاح لمن يلتزم بساعات الدوام والتواقيع، لا لمن يملك صفات أسمى من الذكاء والخلق والابتكار. راحة بالٍ في الليل، وطمأنينة شكلية، بينما تُهدر الطاقات، ويُقصى الإبداع، ويُختزل الإنسان في ملفٍ إداري.

هذه ليست نصائح بقدر ما هي ملاحظات من رجلٍ ستيني مرّ بمحطات كثيرة؛ قاد، وتحدى، وضحّى من أجل الآخرين. ثم في لحظةٍ واحدة نُفي كل ما قدّم. رجلٌ أراد من هذه الكلمات أن يوصي الأبناء: كلٌّ بحسب حاله ورغبته وهوايته، وألا يُفرِطوا في طلب العلم على حساب الأهل، وألا يعتكفوا في غرفٍ لا تخرج منها إلا القراءة والامتحانات والشهادات. فقد يفاجئ المرء نفسه وقد كبر، فلا أنيس يأتيه، ولا أحد يصغي لشكواه، والآخرون قد ابتعدوا عنه حتى صار شبه معزول، وحملاً ثقيلاً على أهله.

ذلك الرجل فدى روحه وصحته من أجل قلمٍ وفكرٍ وكتاب. جمع أيامه ولا يدري كم بقي منها، ولا إلى أين يمضي، ولا لماذا. يسأل: هل تُعدّ هذه مكافأة عادلة في ظل نجاحٍ في أكثر من امتحان؟ وما قيمة الشهادات إذا خسر الإنسان عافيته وأسرته ودفءَ بيته؟

إلى أبنائنا من الجيل الجديد، وخاصة من هم دون الأربعين: كونوا على قدرٍ من الحساب. لا تخلطوا بين القراءة المستمرة والاعتكاف في الغرف، وبين جمع الشهادات، وبين بناء حياة متوازنة. ووفق التجربة، فإن الشهادات لا توفّر الثقافة، بل توفّر شرط القبول في الوظيفة فحسب. وهذا لا يعني أننا ضد الشهادات العليا أو ضد الرغبة في الدراسة؛ بل هي مطلوبة ومحمودة حين تكون نابعة من شغفٍ حقيقي. لكن الملاحظة هنا: لا تجعلوا ذلك على حساب الصحة، ولا على حساب الابتعاد عن العيال.

في النهاية، قد تفقد الاثنين معًا: الأسرة تقول لك إن العلم لم يساعدك في استعادة صحتك وعافيتك، والعلم لا يعوّضك حضن العائلة ولا رفق الأبناء. الرحلة ليست سباق شهادات، بل مسار حياة. بقدر ما تذهب بعيدًا، اسأل نفسك: من أنت؟ وإلى أي جوٍّ عائلي تنتمي؟ وما الثمن الذي تدفعه، وهل يستحق؟

العلم نور، نعم. لكنه لا يكون نورًا إذا أطفأ دفءَ البيت. والطموح جميل، لكنه لا يكون جميلاً إذا كسر القلب وأرهق الجسد. التوازن هو الحكمة: أن تتعلم وتعمل وتبدع، دون أن تنسى أنك إنسان قبل أن تكون ملفًا أو رقمًا وظيفيًا.

هذه رسالة رجلٍ جرّب، لا ليُحبط، بل ليُنبّه. ليقول: خذوا من العلم ما يرفعكم، واتركوا منه ما يكسركم. ابنوا مستقبلًا مهنيًا، نعم، لكن لا تهدموا حاضرًا عائليًا من أجله. فحين تنطفئ الأضواء، وتغلق الأبواب، لن يبقى معكم إلا من أحببتم ومن أحبكم

قد يعجبك ايضا