بين التريّث المشروع وتأجيل الانفجار: من يخاف إعلان الموقف الكوردي؟

سالي علي

لم تعد الإشكالية اليوم محصورة في مضمون أي اتفاق، ولا في سرعة القبول به أو رفضه، بل في محاولة محمومة لدفع الكورد، وقوات سوريا الديمقراطية تحديدًا، إلى زاوية قاتلة:
إمّا الاندفاع إلى مواجهة مفتوحة بلا غطاء،
أو الظهور بمظهر العاجز المتردد أمام جمهوره.

هذا الابتزاز السياسي ليس جديدًا، لكنه اليوم أكثر وضوحًا وخطورة. فثمة أطراف، داخلية وخارجية، لا يزعجها غموض الاتفاق بقدر ما تخشاها لحظة القرار الكوردي المستقل. قرار لا يُكتب في عواصم الآخرين، ولا يُصاغ تحت ضغط القصف أو الحملات الإعلامية.

ما يجري تسويقه بوصفه “فرصة أخيرة” أو “لحظة حاسمة” ليس بريئًا. فالاستعجال في السياسة غالبًا ما يكون أداة من لا يملك مصلحة في الاستقرار، بل في الانفجار. والاندفاع نحو كسر أي مسار هشّ، مهما كان ناقصًا، من دون بديل واضح أو ميزان قوى داعم، لا يُقرأ شجاعة، بل مقامرة بمصير شعب بأكمله.

الواقع أن الاتفاق المطروح، بكل عيوبه وثغراته، ليس إنجازًا تاريخيًا ولا مكسبًا قوميًّا، لكنه أيضًا ليس استسلامًا. هو حالة مؤقتة، قابلة للنقد والمراجعة والضغط، لكنها في الوقت ذاته تشكّل حاجزًا هشًّا أمام سيناريو الدم المفتوح. وهنا تكمن المعضلة:
الهشاشة لا تعني الخيانة، كما أن كسرها لا يعني بالضرورة الكرامة.

الاستفزازات المتكررة، عسكريًا وإعلاميًا، لا تهدف إلى تحسين شروط التفاوض، بل إلى جرّ قسد إلى رد فعل متسرّع، يُقدَّم لاحقًا للعالم بوصفه “تمردًا على الاستقرار”. والتاريخ القريب يثبت أن المجتمع الدولي، الذي يتقن لغة البيانات، لا يتردد في التخلي عن الكورد عند أول اختبار، بل وفي تحميلهم مسؤولية الفوضى إن أخطأوا التوقيت.

وهنا لا بد من قول الحقيقة كاملة:
الشعب الكوردي لم يقدّم كل هذه التضحيات ليُطلب منه اليوم الصمت إلى الأبد، كما لم يناضل ليُدفع إلى حرب عبثية تُخاض نيابة عن مشاريع الآخرين. الفرق كبير بين تأجيل الصدام لحسابات دقيقة، وبين دفن القضية تحت ذريعة الواقعية.

إعلان الموقف الكوردي، بكل وضوحه وحدوده، حقّ مشروع، بل ضرورة سياسية. لكن تحويل هذا الإعلان إلى انفجار غير محسوب، في توقيت يُراد له أن يكون كارثيًا، هو بالضبط ما ينتظره خصوم الكورد. فليس كل من يصرخ “إلى المواجهة” حريصًا على الكرامة، وليس كل من يدعو للتريّث متواطئًا أو خائفًا.

المسألة اليوم ليست: هل نقاتل أم لا؟
بل: متى، وكيف، ولمصلحة من؟

في لحظات كهذه، تُقاس القيادة بقدرتها على حماية شعبها من الفخاخ، لا بقدرتها على مجاراة الغضب. ويُقاس الوعي بقدرته على التمييز بين الثورة كحق تاريخي، والحرب كأداة قد تُستخدم لإجهاض هذا الحق.

التاريخ لن يسأل: من كان الأكثر حماسًا؟
بل سيسأل: من أخطأ التقدير، ومن دفع الثمن؟

قد يعجبك ايضا