هل اقليم كوردستاني في سوريا ضرورة؟

عواد علي

يبدو سؤال وجود إقليم كردستاني في سوريا، لأول وهلة، سؤالًا سياسيًا تقنيًا يتعلق بالخرائط والدساتير وتوازنات القوى. لكنه في العمق سؤال تاريخي- وجودي، يتصل بهوية شعب، وبحدود رسمها الاستعمار، وبأنظمة حكم قامت على الإنكار أكثر مما قامت على التعدد. لذلك فإن صعوبة هذا الوجود لا يمكن اختزالها في “هل تسمح الظروف الدولية؟”، بل يجب أن تُقرأ في سياق أطول وأعقد.
لم يعرف الكُرد في سوريا اعترافًا دستوريًا أو سياسيًا حقيقيًا بوجودهم القومي منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة. فالدولة التي نشأت بعد الاستقلال تبنّت نموذجًا قوميًا عربيًا أحاديًا، رأى في التعدد تهديدًا لا ثراءً. ونتيجة لذلك، جرى التعامل مع الكُرد بوصفهم “مشكلةً أمنيةً” أو “وافدين”، لا شعبًا أصيلًا.
سياسات الإحصاء الاستثنائي عام 1962، ومشاريع الحزام العربي، ومنع اللغة الكردية في المدارس والإعلام، كلها لم تكن تفاصيل عابرةً، بل كانت جزءًا من بنية دولة خافت من الاعتراف، لأن الاعتراف يعني إعادة تعريف نفسها. في هذا السياق، يصبح الحديث عن إقليم كردستاني وكأنه قفزة هائلة فوق تاريخ طويل من الإقصاء.
أحد أكثر الاعتراضات شيوعًا على فكرة الإقليم الكردستاني في سوريا هو الادعاء بعدم وجود “تواصل جغرافي” أو “أغلبية صافية”. لكن هذا الاعتراض لا يصمد أمام وجود أقاليم في أوروبا تتمثل في مناطق ذات هوية ثقافية ولغوية مميزة، كما في إسبانيا (إقليم الباسك، كاتالونيا)، والمملكة المتحدة (اسكتلندا)، وأقاليم أخرى مثل كورسيكا في فرنسا، وبلجيكا (فلاندرز)، إضافةً إلى إقليم كردستان العراق، الذي فيه يعيش مواطنون تركمان وعرب وسريان وآثوريون وأرمن إلى جانب الكُرد، كما أنه، أي الاعتراض، يُستخدم بانتقائية، فالكُرد يعيشون في شريط جغرافي متصل نسبيًا شمال سوريا، من عفرين إلى الجزيرة، بالرغم ما طرأ عليه من تغييرات قسرية.
ثم إن فكرة “النقاء الديموغرافي” لم تُطرح يومًا شرطًا للاعتراف بحقوق الشعوب الأخرى. سوريا نفسها دولة متعددة القوميات والطوائف، مثل العراق وإيران، ومع ذلك لم يُنظر إلى هذا التنوع بوصفه سببًا لنفي وجودها. الإشكال هنا ليس في الجغرافيا، بل في الخوف السياسي من سابقة الاعتراف.
لا يمكن فهم صعوبة قيام إقليم كردستاني في سوريا من دون النظر إلى الجوار الإقليمي. فتركيا، على وجه الخصوص، تنظر إلى أي كيان كردي على حدودها الجنوبية بوصفه تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، خشية انتقال العدوى إلى داخلها. إيران والعراق، بدرجات متفاوتة، يشتركان في هذا القلق، وإن اختلفت أدواتهما.
هذا الرفض الإقليمي لا ينبع فقط من حسابات أمنية، بل من أزمة أعمق: أزمة الدولة القومية في الشرق الأوسط، التي لم تستطع التعايش مع التعدد، فاختارت القمع أو التجاهل. لذلك، فإن أي مشروع كردي في سوريا يصطدم تلقائيًا بجدار إقليمي صلب.
خلال سنوات الحرب السورية، حظيت المناطق الكردية، ولا سيما في إطار “الإدارة الذاتية”، بدعم دولي، خاصةً في سياق محاربة تنظيم داعش. غير أن هذا الدعم ظل وظيفيًا ومؤقتًا، مرتبطًا بالأمن لا بالحقوق.
الدول الكبرى لا تنظر إلى المسألة الكردية من زاوية العدالة التاريخية، بل من زاوية المصالح. ولهذا، فإنها قد تدعم الكُرد عسكريًا، لكنها تتردد كثيرًا في دعم مشروع سياسي واضح المعالم كالإقليم أو الفيدرالية، خوفًا من تفكيك الدول القائمة، أو إغضاب الحلفاء الإقليميين.
لا يمكن أيضًا تجاهل التحديات الداخلية. فالحركة السياسية الكردية في سوريا، بالرغم من تضحياتها الكبيرة، تعاني من انقسامات في الرؤية والولاءات. هل الهدف إقليم ضمن دولة فدرالية، أم إدارة ذاتية لامركزية، أم مجرد حقوق ثقافية وسياسية موسعة؟
غياب التوافق الكردي- الكردي يمنح الخصوم حجةً إضافيةً للتشكيك في مشروعية أي مشروع إقليمي. فالدول لا تعترف بسهولة بمشاريع لا تبدو متماسكةً من داخلها.
بالرغم من كل ما سبق، فإن الصعوبة لا تعني الاستحالة. قبل عقود، كان الحديث عن إقليم كردستان في العراق يبدو ضربًا من الخيال، ثم جاءت التحولات الكبرى: الحروب، والانتفاضات، والتدخلات الدولية لتفتح نافذةً تاريخيةً استُثمرت، مع وجود كل العثرات.
المسألة، إذًا، ليست: هل يحق للكرد في سوريا إقليم؟ فهذا الحق، من منظور العدالة وحقوق الشعوب، قائم. السؤال الحقيقي هو: متى وكيف، وفي أي سياق سياسي سوري وإقليمي جديد يمكن أن يتحقق؟
إن وجود إقليم كردستاني في سوريا يجب ألاّ يُقرأ بوصفه مشروع تقسيم، بل بوصفه محاولةً لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة: دولة تعترف بتعددها، وتدير اختلافاتها عبر السياسة لا الأمن.
الصعوبة الحقيقية ليست في الكُرد، ولا في جغرافيتهم، بل في بنية الدولة السورية نفسها، وفي العقل السياسي الإقليمي الذي ما زال يرى في الاعتراف ضعفًا لا قوةً. وعندما تتغير هذه البنية، سيغدو السؤال أقل تعقيدًا، وربما يتحول من “هل من الصعب؟” إلى “لماذا تأخر كل هذا الوقت؟”.

قد يعجبك ايضا