السلام المسلّح: كيف رأت الصحافة الإسبانية الحكم الذاتي الكوردي بعد 1970؟

أ.د.خليل مصطفى عثمان

منذ عقود طويلة، شكّلت القضية الكوردية مادةً دائمة في الصحافة العالمية، ليس بوصفها صراعًا محليًا فحسب، بل باعتبارها نموذجًا معقّدًا لعلاقة الدولة المركزية بالأقليات القومية. وفي هذا السياق، نشرت صحيفة La Paz الإسبانية تحقيقًا ميدانيًا موسعًا تحت عنوان لافت: «السلام المسلّح – كوردستان»، قدّمت فيه قراءة دقيقة لمرحلة ما بعد اتفاق الحكم الذاتي عام 1970 في كوردستان العراق.

“سلام بلا مصالحة”

يرسم التقرير صورة كوردستان يعيش هدوءًا ظاهريًا، لكنه هدوء محكوم بالحذر والشك. فمنذ توقيع اتفاق آذار 1970، توقفت المعارك الواسعة، غير أن السلاح لم يُسلَّم، والجبال لم تفرغ من رجالها. تصف الصحيفة هذا الوضع بعبارة مكثفة الدلالة:
«منذ عام 1970 نعيش والإصبع على الزناد، لكن دون إطلاق النار».

هذا “السلام” لا يقوم على الثقة المتبادلة، بل على توازن قلق بين طرفين يخشيان العودة إلى الحرب أكثر مما يؤمنان بسلام دائم.

“الحكم الذاتي بين النص والواقع”

يُبرز التقرير الفجوة بين ما نصّ عليه اتفاق الحكم الذاتي وما تحقق فعليًا على الأرض. فبينما أُعلن عن مرحلة جديدة من الإدماج والتنمية، ظلّ الشعور السائد لدى الكورد أن الاتفاق أقرب إلى هدنة مؤقتة منه إلى حل جذري للمسألة الكوردية. الدولة العراقية بقيت حاضرة بقوتها العسكرية، فيما احتفظ الكورد بسلاحهم وذاكرتهم القتالية.

“التنمية… أم السيطرة؟”

يتوقف التحقيق عند مشاريع شقّ الطرق والبنى التحتية، لكن بنبرة شك واضحة، متسائلًا:
هل هذه الطرق من أجل التنمية أم من أجل الدبابات العراقية؟

في الجغرافيا الجبلية الكوردية، لا تُقرأ الطرق باعتبارها مشاريع خدمية فقط، بل أدوات نفوذ وسيطرة. فالطريق الذي يربط القرى قد يكون، في الوقت ذاته، المسار الأسرع لوصول القوات العسكرية.

“حضور أجنبي محدود”

يشير التقرير إلى وجود عشرات الخبراء والعمّال الإسبان المشاركين في مشاريع إعادة الإعمار في كوردستان، وهو ما يعكس انفتاحًا اقتصاديًا وتقنيًا محدودًا، لكنه لا يرقى إلى مستوى الاعتراف السياسي بالقضية الكوردية أو دعم تطلعاتها القومية.

“تحوّل البيشمركة… دون نهاية الثورة”

من أبرز ما يرصدُه التحقيق التحول الاجتماعي داخل المجتمع الكوردي: مقاتلون سابقون أصبحوا موظفين، ومعسكرات تحولت إلى مؤسسات مدنية. غير أن هذا التحول، كما تصفه الصحيفة، لم يكن قطيعة مع الماضي، بل تعليقًا مؤقتًا له. فالبندقية لم تختفِ، بل وُضعت جانبًا في انتظار ما ستؤول إليه الوعود السياسية.

“كردستان بين الهدنة والانتظار”

تخلص الصحيفة الإسبانية إلى أن كوردستان تعيش حالة “سلام مؤجَّل”. لا حرب معلنة، ولا سلام مستقر. شعب أنهكته المعارك، لكنه لم يفقد ذاكرته، وسلطة مركزية تسعى للدمج دون أن تنجح في بناء الثقة.
إنه سلام مسلّح، تحرسه البنادق أكثر مما تحميه الاتفاقات.

قد يعجبك ايضا