التآخي والأخوّة موقفاً لا شعاراً

نوري جاسم

في لحظات الإرهاق الوطني الكبرى، حين تتعب السياسة من ضجيجها المتكرر وتفقد اللغة بريقها تحت ثقل الشعارات المستهلكة، يبرز معنى واحد بوصفه الملاذ الأخير، معنى لا يشيخ ولا يبهت مهما تبدلت الأزمنة، إنه معنى التآخي.

فالعراق، بكل ما مرّ به من محن وانقسامات، لم يكن يوماً بحاجة إلى مزيد من الأصوات المتخاصمة بقدر حاجته إلى استعادة هذا المعنى الإنساني العميق الذي يشبهه ويليق بتاريخه وتنوعه. والتآخي ليس خطاباً عاطفياً عابراً ولا ترفاً فكرياً يطرح في مواسم الأزمات، بل هو رؤية أخلاقية وسياسية واجتماعية في آن واحد. هو الاعتراف بأن الاختلاف سنة حياة لا لعنة، وأن التعدد مصدر قوة لا مدخل ضعف، وأن أبناء هذا الوطن، مهما تباينت رؤاهم وهوياتهم الفرعية، يشتركون في بيت واحد لا يحتمل المزيد من التصدع.

وحين يغيب هذا الإدراك، تتحول السياسة إلى صراع أعمى، وتفقد الدولة معناها الجامع، ويصبح المجتمع ساحة مفتوحة للخوف والشك. وإن أخطر ما واجهه العراق في تاريخه الحديث لم يكن الفقر ولا الحروب وحدها، بل تآكل الثقة بين أبنائه، وتحوّل الحوار إلى تهمة، والاختلاف إلى خيانة. وهنا تحديداً تتجلى قيمة التآخي بوصفه شجاعة أخلاقية قبل أن يكون موقفاً سياسياً. فالحوار لا يعني التنازل عن القناعات، بل القدرة على الإصغاء، والاعتراف بالآخر، والبحث عن المشترك الإنساني الذي يسبق كل الانتماءات الضيقة.

التآخي هو أن ندرك أن الأوطان لا تُبنى بالغلبة، ولا تُدار بالإقصاء، ولا تُحمى بالكراهية. هو أن نؤمن بأن المستقبل لا تصنعه أصوات الكراهية العالية، بل العقول الهادئة التي تعرف أن بقاء الوطن مرهون بقدرته على احتواء الجميع. وحين نعيد الاعتبار لهذا المعنى، نكون قد خطونا أول خطوة حقيقية للخروج من ليل الانقسام الطويل، نحو عراق يرى في اختلافه نعمة، وفي وحدته خلاصاً، وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما..

قد يعجبك ايضا