حماية الأطفال من العنف وتسلط الأقران (التنمر)

حماية الأطفال من العنف وتسلط الأقران (التنمر)

د. علاء إبراهيم

تضمن الشرعة الدولية والوطنية حقوقاً وحريات للطفل بوصفه إنساناً في جميع مراحل حياته وتجرم كل صور انتهاك تلك الحقوق والحريات التي من شأنها ان تجعله يعيش في بيئة مضطربة لا ترعى خصوصيته وكرامته البشرية .

فعلى سبيل المثال تنص المادة التاسعة عشر من اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 على جميع الدول اتخاذ جميع التدابير التشريعية والإدارية والاجتماعية والتعليمية الملائمة لحماية الطفل من كافة أشكال العنف والضرر أو الإساءة البدنية أو العقلية والإهمال أو المعاملة المنطوية على الإهمال وإساءة المعاملة أو الاستغلال، وأضاف الدستور العراقي لعام 2005 في المادة التاسعة والعشرون تكفل الدولة حماية الأمومة والطفولة والشيخوخة وترعى النشء والشباب وتوفر لهم الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم وقدراتهم، وانتهى البند الرابع من المادة عينها إلى منع كل أشكال العنف والتعسف في الأسرة والمدرسة والمجتمع، ولما كان الدستور أعلى القوانين واسماها منزلة والملزم للسلطات كافة واتفاقية حقوق الطفل باتت جزء من القوانين العراقية بعد المصادقة عليها بالقانون رقم (3) لسنة 1994 ما يعني وجوب حظر العنف تجاه الأطفال، وبعبارة أخرى هنالك التزام قانوني على الجميع أفراداً وسلطات عامة مقتضاه عدم استعمال العنف تجاه الجميع والأطفال خاصة، سواء اتخذ العنف صورة الإضرار بالبدن أو بالقوى والملكات العقلية والإدراكية أو النفسية، يستوي في ذلك ان يكون فعل الاعتداء ايجابياً أو سلبياً ناتج عن تعمد ام إهمال أو إساءة معاملة أو استغلال .

وكل أنواع العنف والتسلط وتجاوز الحدود بالعدوان على حقوق الغير وحرياته ويشار ان الاعتداء قد يصدر من أحد البالغين أو الأحداث ازاء الطفل ولا فرق بين ان اتحد المعتدي والمعتدى عليه بالجنس ام اختلفا، الا ان ما نود التركيز عليه هو العدوان الصادر من حدث ضد حدث أخر، وهو تسلط الأقران (التنمر) الذي يعد واحداً من الاعتداءات التي تطال الأطفال أحياناً ويحدث بصورة متكررة حينما يكون هنالك اختلال في موازين القوة العضلية والبناء الجسماني أو الملكات الذهنية اذ يشعر الحدث الضحية بالضعف والعجز عن الدفاع عن نفسه ورد العدوان وفي الوقت الذي يشعر الطرف الآخر بالقوة والاقتدار فيجنح إلى تحقير الغير والمساس بسلامته الجسدية بالضرب أو غيره .

ويحدث التسلط بين الأقران من جنس واحد، وتزداد هذه الظاهرة وضوحاً في أوساط المدارس لاسيما الابتدائية أو الدراسة الأساسية والمتتبع يلاحظ بجلاء اعتياد بعض التلاميذ في إيذاء بعضهم البعض الآخر بل يشاهد العديد منهم يمارس هواية ركل الآخرين أو التلفظ بحقهم ألفاظاً غير لائقة ما تخلف شعوراً بالإهانة ويصل الأمر إلى التهديد وإتلاف بعض الممتلكات ما يجعل الطفل في حالة من الخوف والقلق يظهر بصورة التمنع من الذهاب إلى المدرسة.

والطفل الذي يمارس سلوك الاعتداء أو التسلط هو الآخر يعاني من اختلال في حياته ناتج بالدرجة الأساس إلى عوامل عدة على رأسها الفقر أو فقدان أحد أو كلا الأبوين أو غياب دورهما في تربيته وتأديبه أضف إلى عوامل البيئة المحيطة التي تجعل منه طفلاً جامحاً ميالاً للإيذاء ويشعر باللامبالاة، ويمكننا ان نحصر بعض من هذه الأسباب ونبينها بالاتي:

1- الشعور بالإحباط نتيجة حالة الفقر المدقع عند بعض من الأسر لاسيما في الأحياء والمناطق النائية التي يكون جل بيوتها من الصفيح والآيلة للسقوط ويعشعش فيها العوز والحاجة وتتسبب بشعور مبكر بالإحباط من كل شيء ما يسهم في جنوح البعض منهم نحو العنف .

2- الشعور المزمن بالقلق وانعدام الثقة بالمجتمع الذي يعيش فيه لافتقاره لأبسط مقومات الحياة الكريمة .

3- يزداد ميل العديد من الأطفال للعنف نتيجة التعرض لسنوات طوال لشتى صور العنف الأسري والمجتمعي نتيجة غياب وعي الأب أو الأم بأساليب التربية الصحيحة للأطفال فيتعمدان تعنيفه بشكل قاسي وتكرار الاهانات بحقه .

ولا يمكن ان نتصور ان هذه السلوكيات غير المنضبطة من الأطفال تجاه بعضهم البعض مشكلة محلية في العراق بل هي معضلة عالمية تظهر في جميع الدول على حد سواء بل ان الدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية وكندا وغيرها من الدول المتقدمة تشهد أنماطاً مستحدثة من عنف الأحداث ضد بعضهم البعض لا أقلها التسلط عبر الانترنيت وتوجيه رسائل اليكترونية تتضمن صوراً أو مقاطع فيديو غير لائقة من شأنها ان تستغل للتهديد أو الإيذاء والمضايقة وهذا ما أكدته تقارير منظمة الصحة العالمية (اليونسيف) .

وبالعودة إلى الواقع العراقي نلاحظ ان ما تقدم متحقق بشكل يومي ومتكرر وان هنالك فئات معينة هي الأكثر تضرراً نتيجة التسلط لاسيما الأطفال من ذوي البنية الجسمانية الضعيفة أو الذين يعانون من العاهات الظاهرة وبعبارة أخرى ان ضحايا العنف والتسلط بالغالب هم من ذوي الاحتياجات الخاصة كالمصاب بالمهق أو شلل أو ضعف البصر أو التشوهات المختلفة، بل ان المؤسسات الرسمية لاسيما المدارس عادة تخلو من مرافق وتجهيزات تراعي متطلبات هذه الفئات فيكونوا معرضين لنوع من العنف أو الاستهزاء والتنكيل رغم ان المشرع العراقي ألزم الحكومة بمراعاة ذلك بقانون رعاية ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة رقم (38) لسنة 2013

ويتسبب بالغالب العدوان والتسلط على الحدث بآثار عدة تنعكس على حياته أهمها التأثير المباشر على النمو الطبيعي لجسم الطفل وسينعكس الامر على نمو وتكامل ملكاته الذهنية ويرجح ان يكون ميالاً للانتقام فضحية تسلط الأقران قد يكون عدوانياً في سلوكه الأمر الذي يزيد من مخاطر العنف والتسلط بل ان الحدث الذي يعتاد ممارسة تعنيف الآخرون يرجح بالمستقبل ان يعاني العزلة والاكتئاب نتيجة الاضطرابات التي يتعرض لها .

إن ظاهرة انتشار التسلط بين الأقران يمكن ان تكون معقدة أكثر مع نمو ظاهرة التعامل مع شبكة المعلومات والاتصالات العالمية (الانترنيت) عبر مواقع التواصل بين المراهقين ومن هم دون سن (20) سنة عموماً ما ينذر بمشكلة معقدة حقيقية لعدة أسباب في مقدمها سهولة التأثير على هذه الفئات العمرية من الأقران وغيرهم في غرف الدردشة المغلقة ومواقع الإرهاب أو الرذيلة، بل قد يتمكن أحد الأولاد من استدراج الفتاة التي لا تعي خطورة المنزلق الذي قد تقع فيه ان أخذنا بنظر الاعتبار طبيعة المجتمع العراقي المحافظ وتفكير أفراد الأسر بارتكاب جريمة قتل أو التهديد بالقتل أو إحداث العاهات المستديمة للحفاظ على الشرف .

قد يعجبك ايضا