واشنطن.. السلطة والقوة وفرض النفوذ حول العالم

مصطفى عبدالكريم قایتەوەني – لندن

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، تتزايد التساؤلات حول طبيعة الدور الأمريكي وحدود نفوذه في عالم بات أكثر اضطرابًا وأقرب إلى حافة الخطر، هذا المشهد كان حاضرًا بوضوح في أحد برامج قناة سكاي نيوز عربية، الذي استضاف نخبة من الشخصيات والخبراء من دول مختلفة، عكسوا بآرائهم حجم القلق وخيبة الأمل التي يعيشها العالم اليوم، شارك في النقاش، وقد اتفقت معظم آرائهم على أن العالم يمر بمرحلة غير مسبوقة من التصدع السياسي والأخلاقي، نتيجة غياب الرؤية الجماعية وتغليب منطق القوة على القانون.

خيبة أمل عالمية ونظام دولي متصدع

البرنامج تناول بالتحليل نوايا الولايات المتحدة الأمريكية في عدد من الأحداث الدولية الأخيرة، خاصة في ضوء ما طُرح خلال منتدى دافوس 2026، وقد تبين أن قادة العالم، رغم اختلاف مواقعهم، يكررون المضمون ذاته: العالم يسير نحو الخطر، دون أن يجرؤ كثيرون على الإشارة الصريحة إلى أن هذا المسار قد يقود إلى شكل جديد من الدكتاتورية الدولية، تُفرض فيه الإرادة بالقوة لا بالتوافق.

واشنطن ومنطق القوة

تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كانت من أكثر النقاط إثارة للجدل، حين قال صراحة: (أنا بمفردي أنهيت ثمانية حروب، وأنا مستعد للتعاون مع الأمم المتحدة، لكن الأمم المتحدة لم تستطع أن تفعل ما فعلته أنا)، هذا الخطاب يعكس رؤية أحادية ترى في القوة أداة أساسية لإدارة العالم، وهو ما حذّر منه المستشار الألماني بقوله: إن العالم الذي لا يُعتد فيه إلا بالقوة هو عالم شديد الخطورة.
في المقابل، جاءت تصريحات رئيس الوزراء البريطاني التي قال فيها: “أنا لا أستسلم، وبريطانيا العظمى لا تستسلم”، في سياق الجدل حول غرينلاند، لتكشف بدورها عن تصاعد النزعة القومية والتنافس على النفوذ.

القانون الدولي في مهب الريح وأزمات بلا حلول، الحروب والتوترات بين الدول في العالم

حذّر قادة وخبراء من خطورة الانتقائية في تطبيق القوانين الدولية وتجاهل قواعد الشرعية الأممية، وازداد هذا القلق مع غياب الأمين العام للأمم المتحدة عن منتدى داڤوس، بحجة برودة الطقس، وهو مبرر اعتبره كثيرون غير مقنع، بل مؤشرًا إضافيًا على ضعف المؤسسات الدولية في لحظة مفصلية من تاريخ العالم، وكالات الإعلام العالمية أجمعت على أن قادة العالم فشلوا في احتواء الأزمات الاقتصادية والأمنية والسياسية.
يشهد العالم في الوقت الراهن حالة غير مسبوقة من الاضطراب السياسي والعسكري، حيث تتداخل الحروب المباشرة مع النزاعات غير المعلنة، والتوترات الباردة التي قد تنفجر في أي لحظة، ومع ضعف النظام الدولي وتراجع دور المؤسسات الأممية، بات استخدام القوة والتهديد بها سمة أساسية في العلاقات الدولية.

أولًا: الحروب المشتعلة حاليًا (حرب روسيا وأوكرانيا)، تُعد أخطر حرب في أوروپا منذ الحرب العالمية الثانية، وأدت إلى: دمار واسع، أزمة طاقة وغذاء عالمية، مواجهة غير مباشرة بين روسيا وحلف الناتو، الحرب في فلسطين (إسرائيل – غزة) صراع مستمر يتجدد بعنف، مع عدوان عسكري واسع، أزمة إنسانية غير مسبوقة، توتر إقليمي يهدد بتوسّع الحرب، الحرب في السودان، صراع داخلي مسلح تحوّل إلى كارثة إنسانية، مع تدخلات إقليمية غير مباشرة، الحرب في اليمن، رغم الهدن المؤقتة، لا يزال النزاع قائمًا بين أطراف محلية بدعم إقليمي.

ثانيًا: بؤر التوتر الإقليمي الخطيرة (إسرائيل – إيران)، تهديدات متبادلة، ضربات غير مباشرة، صراع استخباراتي وعسكري بالوكالة (لبنان – إسرائيل)، توتر مستمر على الحدود، خطر توسّع الحرب بسبب حزب الله، الولايات المتحدة – الصين (تايوان)، أخطر صراع محتمل عالميًا، مناورات عسكرية، تهديد بتغيير ميزان القوى في آسيا، (كوريا الشمالية – كوريا الجنوبية)، تجارب صاروخية، تهديد نووي، وجود عسكري أمريكي مكثف.

ثالثًا: نزاعات الشرق الأوسط، سوريا صراع متعدد الأطراف، تدخلات دولية (روسيا، أمريكا، تركيا، إيران)، خطر فراغ أمني في حال الانسحاب الأمريكي العراق: توتر أمني، تهديد الجماعات المسلحة، ساحة صراع نفوذ إقليمي ودولي (تركيا – سوريا / تركيا – الكورد)، عمليات عسكرية متكررة، خلافات حدودية وأمنية.

رابعًا: نزاعات أوروبا وآسيا، (اليونان – تركيا)، خلافات حول قبرص، صراع على الغاز والحدود البحرية في شرق المتوسط (أرمينيا – أذربيجان)، صراع متجدد حول إقليم ناغورنو كارا باخ (الهند – باكستان)، نزاع تاريخي حول كشمير، خطر التصعيد النووي (الصين – الهند)، اشتباكات حدودية في الهيمالايا.

خامسًا: توترات في أفريقيا وأمريكا اللاتينية (إثيوبيا – إريتريا وتوترات القرن الأفريقي)، نزاعات حدودية، صراعات داخلية ذات أبعاد إقليمية، منطقة الساحل الأفريقي، انقلابات عسكرية، انتشار جماعات إرهابية، صراع نفوذ دولي( فنزويلا – غويانا)، نزاع حدودي على مناطق غنية بالنفط، العالم اليوم يعيش مرحلة تعدد الأزمات وتداخل الصراعات، حيث: تضعف الحلول الدبلوماسية، يتراجع القانون الدولي، تُستخدم القوة كأداة سياسية.
ومع غياب إرادة دولية حقيقية لمعالجة جذور النزاعات، تبقى هذه الحروب والتوترات مرشحة للتصعيد، ما يهدد الأمن والاستقرار العالميين ويدفع العالم نحو مستقبل أكثر خطورة.

الشرق الأوسط على حافة الانفجار جذور الأزمة: مئة عام من التراكم

في سوريا، نشرت صحيفة وول ستريت جورنال: من أن الولايات المتحدة تدرس انسحابًا عسكريًا كاملًا، ما قد يفتح الباب أمام فراغ أمني خطير.
أما في العراق، فالمشهد يبدو أكثر سخونة، مع احتمالية اندلاع حرب جديدة نتيجة تسلل مجموعات مسلحة إرهابية من سوريا إلى الأراضي العراقية، ما يجعل العراق وبلاد الشام ساحة مثالية لتصفية النزاعات وإطالة أمد الصراعات في الشرق الأوسط.
يبرز السؤال الجوهري: هل قادة العالم جادّون فعلًا في إيجاد حلول حقيقية؟.. فالتجربة تثبت أنه كلما هدأت أزمة في العراق، تبدأ أخرى، نتيجة تراكم مشكلات لم تُحل منذ أكثر من مئة عام! لقد جرى كتم أزمة فوق أخرى دون معالجة جذرية، ما جعل المنطقة أشبه (بقنابل موقوتة ستنفجر عاجلًا أم آجلًا)، وهذه القنابل لم تُصنع عبثًا، بل وُلدت مع رسم خرائط المنطقة في اتفاقية (سايكس–بيكو) قبل أكثر من قرن، حين قُسمت الجغرافيا دون اعتبار للتاريخ أو الهوية أو الاستقرار إن واشنطن، بما تملكه من قوة ونفوذ، لا تزال لاعبًا محوريًا في تشكيل ملامح النظام العالمي، لكنها في الوقت ذاته جزء من أزمة هذا النظام، فالعالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من فرض النفوذ، بل إلى إعادة الاعتبار للقانون الدولي، والحوار، والعدالة، قبل أن ينزلق الجميع إلى فوضى لا رابح فيها.

قد يعجبك ايضا