ويبقى الرئيس مسعود بارزاني ملاذ الكرد

 
عبدالباسط سيدا
 
كثيراً ما يُقال ويُكتب، لتفسير الواقع الصعب الذي يعيشه الشعب الكردي الذي قُسِّم مع أرضه بين أربع دول مختلفة على صعيد الانتماءات الدينية المذهبية والقومية والتوجهات السياسية والتحالفات الإقليمية والدولية، بأن الكرد هم ضحية الجغرافيا، بينما هم في واقع الأمر ضحية الاتفاقيات والصفقات الاستعمارية التي كانت على حساب الكرد، وفي المقدمة منها سايكس بيكو 1916ولوزان 1923 وتوابعهما وملاحقهما.
والإضطهاد المزدوج القاسي (المشاريع التمييزية العنصرية، والحرمان من جميع الحقوق القومية المشروعة) الذي تعرّض له الشعب الكردي في سوريا منذ خمسينيات القرن المنصرم إنما هو في جوهره نتيجة تلك الاتفاقياتالمشؤومة التي تعد اساس كل الشرور في منطقة الشرق الأوسط، وحصيلة تراكمات استبداد وعنصرية الأنظمة القومية العسكرية العنصرية، وهي الأنظمة التي لم تتمكن من تأسيس دولة وطنية قادرة على طمأنة سائر مكوناتها عبر احترام خصوصياتها وحقوقها، وإنما حاولت بشتى الأساليب فرض اللون الواحد على واقع متنوع بطبيعته.
ورغم كل الصعوبات والظروف القمعية لم يستسلم النشطاء الكرد للواقع المرّ الذي فُرض عليهم، بل ناضلوا بمختلف الأساليب السلمية عبر التنظيمات السياسية والمجتمعية من أجل رفع الظلم عن كاهل شعبهم، وتأمين حقوقه المشروعة؛ وقدّموا في سبيل ذلك تضحيات كبيرة.والجميع يتذكر الانتفاضة العارمة التي شهدتها مختلف المناطق الكردية السورية في 12 آذار/ مارس 2004،وامتدت إلى المهاجر الكردية في سائر أنحاء العالم،دفاعاً عن كرامة الكرد وحقوقهم، وتنديداً بقمع السلطة الأسدية المستبدّة الفاسدة المفسدة لهم.
ومع بداية الثورة السورية في ربيع عام 2011، شارك الشباب الكردي في المناطق الكردية والمدن الكبرى بقوة في فعاليات ومظاهرات واعتصامات الثورة السورية، وقدموا تضحيات جسيمة لقاء ذلك.
ومع سقوط سلطة آل الأسد، ومجيء الإدارة الانتقالية بناء على تحالفات وتفاهمات دولية وإقليمية؛ تفاءل الكرد بالتحوّل الجديد، ورحّبوا به. ولكن المشكلة التي عانى منها الكرد، وما زالوا، تتمثل في افتقارهم إلى موقف موحَّد متماسك بين قواهم السياسية، وتمكّن حزب الاتحاد الديمقراطي من خلال قوات سوريا الديمقراطية “قسد” من احتكار التمثيل الكردي نتيجة الظروف التي ساعدته في السيطرة على الأرض والمؤسسات، وتشكيل الإدارة الذاتية لمنطقة شمال شرق سوريا، خاصة بعد الدعم الأميركي لهذه القوات في اطار التحالف الدولي لمكافحة تنظم “داعش” الإرهابي.
وللتعامل بفعالية مع الوضع الجديد في سورية بعد انهيار السلطة السابقة، كانت هناك حاجة ماسّة لتوحيد الرؤية والموقف الكرديين؛ وهذا ما حصل بعد سلسلة من الحوارات والمفاوضات، أسهم الاخوة في إقليم كردستان العراق، خاصة الرئيس مسعود بارزاني مشكوراً، في انجاحها. وكان الاعلان عن تلك الرؤية في كونفراس وحدة الموقف الكردي السوري، الذي انعقد في قامشلي بتاريخ 26 نيسان/ابريل 2025، وتم تشكيل وفد من القوى الكردية السياسية التي توافقت على الرؤية الكردية المشتركة الخاصة بحل القضية الكردية في سوريا. وكانت الآمال معقودة على توجهه إلى دمشق للدخول في مفاوضات مع الحكومة المؤقتة على قاعدة الرؤية المعنية،واتفاق العاشر من شهر آذار/مارس الفائت الذي وقّع عليه كل من الرئيس أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي.
ولكن الأمور لم تجر في الاتجاه الصحيح. خاصة بعد استفراد الحكومة بجملة من الخطوات منها: الاعلان الدستوري، وتشكيل الحكومة المؤقتة، واجراءات تعيين مجلس الشعب، والإعلان عن الكثير من القرارات والتعيينات المفصلية الخاصة بمؤسسات الدولة.
كما أن حرص قيادة “قسد” على احتكار القرار الكردي،وعدم إشراك القوى الكردية الأخرى التي توافقت معها في كونفراس قامشلي في المفاوضات مع الحكومة السورية، خاصة المجلس الوطني الكردي، الذي يظل ممثلاً شرعياً  للشعب الكردي في سوريا بموجب التاريخ والوقائع والبرامج، قد أدّى إلى اضعاف الموقف الكردي، ووضع العراقيل أمامه.
فـقد عقدت “قسد” جولات من المفاوضات مع الحكومة، تمحورت حول القضايا الميدانية والأمنية، وتجاهلت أهمية التوافق على الحل السياسي. في حين ظلت القوى المشاركة في الوفد الكردي الموحّد المكلّف بإجراءالمفاوضات مع الحكومة ينتظر من دون جدوى. ويبدو أنه في الأثناء تغيّرت الحسابات الأمريكية، وذلك في سياق الحرص الأمريكي على عقد اتفاق بين الحكومة السورية واسرائيل بشروط الأخيرة، والسعي في الوقت ذاته من أجل طمأنة تركيا لتمرير ذاك الاتفاق عبر دعم حكومة الشرع، ورفع الغطاء عن “قسد” التي لم تتمكن على ما يبدو من قراءة المتغيرات قراءة صحيحة، أو تجاهلت أهمية ذلك.
وربما كان تفسير هذا الأمر يتشخص في الخلافات البينية ضمن حزب العمال الكردستاني بعد دعوة رئيسهعبدالله أوجلان لحلّه، وانعكاسات تلك الخلافات على الأوضاع داخل قسد، هذا رغم تأكيدات قادتها المستمرة بأن ما يجري بين حزب العمال والحكومة التركية لا يعنيهم.
ونتيجة التحول العلني في الموقف الأمريكي من دور قسد ووظيفتها، تم رفع الغطاء عنها في محافظات حلب (ما عدا كوباني) والرقة ودير الزور، الأمر الذي ادّى إلى انهيارات ميدانية سريعة ضمن قسد في تلك المناطق،وانسحاب القوات المتبقية من هناك إلى كوباني ومحافظة الحسكة؛ وكل ذلك ولّد المخاوف لدى الكرد، تمحورت حولخشيتهم من امكانية تعرضهم لهجمات من جانب الفصائل المتشدّدة والقوى العشائرية المسلحة التي قد تحالفت مع قوات حكومة دمشق، خاصة في أجواء تصاعد الخطاب القوموي المتشدّد، والحملات الكبرى التي تُشنّ بشراسة ضد الكرد على شبكات التواصل الاجتماعي رغم إعلان بعضهم أنهم يميزون بين الكرد و”قسد”. ورغم معرفة الجميع بأن الموضوع الكردي في سوريا هو أقدم وأكبر وأهم من “قسد”، كان حيوياً فاعلاًقبلها، وسيستمر بعدها إلى أن يتم الوصول إلى حل عادل بشأنه ضمن إطار وحدة الشعب والوطن.
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن المرسوم الرئاسي الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع بخصوص الكرد كانتله أصداؤه الايجابية في المجتمع الكردي، ولكنه يظلّ يمثل خطوة جريئة صحيحة مطلوبة في طريق صحيح طويلغايته معالجة الموضوع الكردي من سائر جوانبه، والإقرار الدستوري بالحقوق الكردية، وسنّ القوانين اللازمة،واتخاذ الاجراءات التطبيقية الملوسة في ميدان تأمين تلك الحقوق، وتعويض المتضررين.
وفي أجواء تعارض المواقف والتصريحات بين الحكومة وقسد، وانسداد الآفاق أمام المفاوضات؛ جاءت مبادرة الرئيس مسعود بارزاني لتنظيم لقاء بين المبعوث الأمريكي توم براك ومظلوم عبدي في اربيل، لتكون بوابة جديدة لإعطاء الأمل لكرد سوريا عبر تجنيبهم حرباً لن تكون في صالح قضيتهم ولا لصالح السوريين جميعاً، بل ستكون تهديداً لأمن واستقرار المنطقة. والجدير بالذكر في هذا السياق هو الإشارة إلى أن الاتصالات بين الرئيسين بارزاني والشرع، إلى جانب الاتصالات الدولية، قد أسهمت في دفع الأمور نحو توافقات عملية قابلة للتطبيق.
ومن الواضح لكل متابع مهتم بالوضع السوري العام، والكردي السوري على وجه التحديد، أن الرئيس بارزاني حريص كل الحرص على سلامة الكرد وحقوقهم في سوريا، كما أنه حريص على دعم السوريين عموماً،والوقوف بجانبهم في سعيهم نحو تعزيز الأمن والاستقرار، وبناء دولة عادلة تطمئن سائر مكوناتها المجتمعية عبر الاقرار بحقوقها وضمان سلامتها؛ واتاحة المجال أمامها للتشارك العادل في إدارة الدولة وموارد البلاد، وهذا ما نعرفه عن قرب منذ بدايات الثورة السورية.
ما نأمله هو أن تُتوج جهود الرئيس بارزاني المخلصة، وجهود سائر المحبين لسوريا وشعبها بكل مكوناتهابالنجاح. فالسوريون قد ضحوا بما يعجز على الوصف، وأُرهقوا كثيراً، وتحمّلوا وصبروا، وهم يستحقون اليوم بكل جدارة حياة حرة كريمة، تضمن مستقبلاً مشرقاً لأجيالهم المقبلة.

قد يعجبك ايضا