سالي علي
ما يجري اليوم على شاشات عدد من القنوات العربية، وفي مقدّمتها قنوات تُقدَّم على أنها “إخبارية”، لا يمكن وصفه بتغطية إعلامية مهنية، بل هو انخراط واضح في حرب سرديات تستهدف الشعب الكوردي بشكل مباشر أو غير مباشر.
في كل مرة يُستضاف فيها سياسي كوردي للحديث عمّا يجري في روج آفا كوردستان وسوريا، نشهد المشهد ذاته:
مقاطعة متعمّدة، قطع للصوت، تغيير لمسار النقاش، أو إنهاء الحوار فور خروج الكلام عن السقف المرسوم مسبقًا.
أما حين يتحدّث ممثلو الحكومة المؤقتة في دمشق أو من يدور في فلكها، فيُفتح لهم الهواء بلا قيود، ويُمنحون حق الإملاء، بل ويصل الأمر أحيانًا إلى توجيه المذيع نفسه على الهواء عبر الإشارات.
هذا ليس حوارًا، بل إدارة رأي عام.
وليس مهنية، بل اصطفاف سياسي فاضح.
الأخطر من ذلك أن جزءًا كبيرًا من هذه التغطية يعتمد مصطلحات استفزازية، وانتقائية لغوية مقصودة، وأخبارًا غير موثّقة تُقدَّم كحقائق، وكلها تصب في اتجاه واحد: تشويه صورة الكورد، ونزع الشرعية عن مطالبهم، وتهيئة الرأي العام لتبرير أي انتهاك يُرتكب بحقهم.
حين يتحوّل الإعلام إلى أداة تبييض لسلطة مؤقتة ذات سجل دموي، وحين يُمنع الصوت الكوردي من إكمال جملة على الهواء، فنحن لا نكون أمام “انحياز مهني”، بل أمام مشاركة فعلية في الإقصاء.
الإعلام هنا لا ينقل الحدث، بل يصنعه.
ولا يراقب السلطة، بل يحرس روايتها.
المسؤولية الأخلاقية للإعلام لا تتجزأ.
إما أن يكون منبرًا للحقيقة، أو شريكًا في التضليل.
والتاريخ، كما نعلم، لا ينسى أسماء القتلة فقط، بل يسجّل أيضًا أسماء من وفّروا لهم المنصّة، وغطّوا جرائمهم بالكلمات.
الشعب الكوردي لا يطلب تعاطفًا، بل حقّ الرد، وحق الظهور، وحق أن تُنقل قضيته بلا مقصّ ولا وصاية.
وأي إعلام يرفض ذلك، عليه أن يتحمّل مسؤوليته كاملة… أمام الشعوب، وأمام التاريخ.