هل أضعفت وسائل التواصل الاجتماعي صلة الرحم في المجتمع العراقي؟

د. ريهام الحسناوي

لم تكن صلة الرحم في المجتمع العراقي مجرد واجب اجتماعي، بل كانت جزءًا من أسلوب الحياة اليومية. الزيارة، الجلوس، تبادل الأحاديث، والمشاركة في الأفراح والأتراح، جميعها كانت تشكّل نسيجًا اجتماعيًا متماسكًا يصعب تفكيكه. لكن مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، يطرح سؤال نفسه بقوة: هل قرّبت هذه الوسائل الناس من بعضهم، أم ساهمت في إضعاف روابطهم الأسرية؟

لا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي سهّلت الاتصال، خصوصًا مع الأقرباء البعيدين جغرافيًا. رسالة سريعة أو مكالمة فيديو قد تختصر المسافات وتعيد الاطمئنان. غير أن هذا القرب الافتراضي لم يكن دائمًا بديلاً حقيقيًا عن التواصل المباشر. فالعلاقة التي كانت تُبنى على الزيارة والمجالسة، باتت في كثير من الأحيان تُختصر بـ«إعجاب» أو تعليق عابر.

في المجتمع العراقي، حيث للعائلة الممتدة حضور قوي، بدأت ملامح التغيير تظهر بوضوح. فالكثير من المناسبات العائلية لم تعد تجمع الجميع كما في السابق، وأصبحت التهاني والتعازي تُؤدى عبر الهاتف أو وسائل التواصل، بدل الحضور الشخصي. ومع الوقت، تحوّل هذا السلوك من استثناء إلى عادة، ما انعكس على دفء العلاقات وقوتها.

من جهة أخرى، ساهمت وسائل التواصل في خلق نوع من الانشغال الدائم. فالجلسة العائلية التي كانت مساحة للحوار وتبادل الآراء، أصبحت في بعض الأحيان صامتة، كل فرد منشغل بهاتفه، يتصفح عالمًا افتراضيًا بعيدًا عمن يجلس إلى جانبه. هذا الانشغال المستمر قلّل من فرص الحوار الحقيقي، وعمّق الشعور بالبعد حتى بين الأقرباء.

ومع ذلك، لا يمكن تحميل وسائل التواصل المسؤولية كاملة. فالتغيرات الاقتصادية، وضغوط الحياة، وتسارع وتيرة العمل، جميعها عوامل أسهمت في تقليص الوقت المخصص للعلاقات الاجتماعية. وسائل التواصل لم تُضعف صلة الرحم وحدها، لكنها كشفت هشاشة بعض الروابط، وسهّلت الاستغناء عن الجهد الذي يتطلبه التواصل الحقيقي.

يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن التوفيق بين الواقع الرقمي والحياة الاجتماعية؟ الجواب لا يكمن في رفض وسائل التواصل، بل في ترشيد استخدامها. فالتكنولوجيا يمكن أن تكون وسيلة دعم للعلاقات، لا بديلاً عنها. رسالة هاتف قد تكون تمهيدًا لزيارة، لا نهاية لها، ومكالمة فيديو يمكن أن تعزز العلاقة، لا أن تحل محل اللقاء.

إن الحفاظ على صلة الرحم في المجتمع العراقي اليوم يتطلب وعيًا جديدًا، يعيد الاعتبار لقيمة الزيارة، والجلوس، والكلمة المباشرة. فالتواصل الحقيقي لا يُقاس بعدد الرسائل، بل بعمق العلاقة، ولا يُبنى على الشاشات وحدها، بل على الحضور الإنساني الذي لا تعوّضه أي تقنية.

قد يعجبك ايضا