رمزية ظفيرة المرأة الكردية: هوية لا تُقصّ بسهولة

عواد علي

ليست الظفيرة في ثقافة المرأة الكردية مجرّد تسريحة شعر أو تفصيل جمالي عابر، بل هي علامة ثقافية كثيفة الدلالات، تتقاطع فيها الذاكرة الجمعية، والهوية القومية، والأنوثة المقاومة، والتاريخ المكتوب على الجسد.

فالظفيرة الكردية، كما تُرى في القرى والجبال واللوحات الشعبية والأغاني، هي لغة صامتة تقول ما لا تسمح الظروف أحيانًا بقوله صراحةً.
الضفيرة كهوية بصرية:
منذ قرون، شكّلت الظفيرة أحد الملامح البصرية الأساسية للمرأة الكردية. فهي تميّزها عن غيرها من نساء المنطقة، تمامًا كما تفعل الأزياء الكردية التقليدية. في مجتمع طالما حُوربت فيه الهوية الكردية وسُلبت رموزها، تحوّل الجسد نفسه إلى مساحة لإعلان الانتماء، وكانت الظفيرة إحدى هذه العلامات الصامدة.
إن استمرار الظفيرة، رغم التحولات الاجتماعية والتمدّن والضغوط الثقافية، يشبه إصرار اللغة الكردية على البقاء شفويةً حين مُنعت كتابتها. كلاهما فعل مقاومة ناعمة، بلا شعارات، لكن بعناد طويل النفس.
أنوثة غير مُستسلمة:
على عكس الصورة النمطية التي تحاول حصر الأنوثة في الهشاشة أو التزيّن الخاضع لنظرة الآخر، تحمل الظفيرة الكردية دلالة أنوثة قوية، متصالحةً مع القسوة والجبل والعمل اليومي. هي أنوثة لا تنفصل عن الشقاء، ولا ترى في الألم نقيضًا للجمال.
المرأة الكردية التي تضفر شعرها كانت غالبًا ما تعمل في الحقول، تزرع، ترعى، تحمل الماء، تشارك في الحياة القاسية، وتحمل البندقية مثل الرجل، ومع ذلك تحافظ على ظفيرتها. كأنها تقول: أنا قوية، لكنني لم أتخلَّ عن ذاتي.
الظفيرة والذاكرة الجمعية:
في الأغاني الشعبية الكردية، كثيرًا ما تُذكر الظفيرة بوصفها علامة للحبيبة، للأم، للفتاة المنتظرة، أو للمرأة التي غاب زوجها في الحرب أو الجبل. الضفيرة هنا ليست عنصرًا جسديًا فقط، بل مستودعًا للحنين والفقد.
وحين تُقصّ الظفيرة قسرًا، كما حدث في مدينة الرقة (سوريا)، على نحو استفزازي، خاصةً أن صاحبتها شهيدة، فإن الفعل لا يستهدف الشَعر بقدر ما يستهدف الذاكرة والكرامة. قطع الظفيرة هو محاولة لقطع الامتداد الرمزي للمرأة، وتجريدها من تاريخها الشخصي والجماعي.
من الرمز التقليدي إلى الرمز السياسي:
في العقود الأخيرة، ومع صعود دور المرأة الكردية في النضال السياسي والعسكري والاجتماعي، اكتسبت الظفيرة بعدًا جديدًا. صارت الظفيرة حاضرةً في صور المقاتلات، والناشطات، والفنانات، لا بوصفها عودة إلى الماضي، بل كجسر بين التراث والحداثة.
هنا تتحوّل الظفيرة إلى إعلان واضح: يمكن للمرأة أن تكون حديثةً، مقاتلةً، مثقفةً، من دون أن تتخلى عن رمزيتها الثقافية. إنها رفض لثنائية زائفة تضع التقدم في مواجهة الجذور.
الظفيرة كجسد يتكلم:
في ثقافة عانت طويلًا من إسكات الصوت، تعلّم الجسد أن يتكلم. الضفيرة، بهذا المعنى، خطاب بصري. هي سردية شخصية وجماعية، تحمل آثار الأمهات والجدات، وتمتد مثل خيط زمني يربط الماضي بالحاضر.
إنها ليست شعرًا مربوطًا، بل تاريخًا مظفورة. فرمزية الضفيرة عند المرأة الكردية تتجاوز الجماليات لتلامس جوهر الوجود الكردي ذاته: البقاء رغم القمع، الحفاظ على الذات رغم محاولات المحو، وتحويل التفاصيل الصغيرة إلى أعلام غير مرئية.
في ظفيرة امرأة كردية تختبئ حكاية شعب، وفي كل شعرة مظفورة ذاكرة لم تنكسر.
الظفيرة، في النهاية، ليست زينة رأس، إنها هوية لا تُقصّ بسهولة.

قد يعجبك ايضا