د.سميه سلمان ابراهيم
تُعدّ الأسرة النواة الأولى في بناء المجتمع، ومنها تنطلق القيم والسلوكيات التي تشكّل شخصية الفرد. ومع تصاعد مظاهر العنف الأسري في المجتمعات المعاصرة، برزت الحاجة إلى تفعيل دور التربية الإسلامية بوصفها منظومة تربوية أخلاقية متكاملة تسعى إلى حماية الإنسان وصون كرامته وتحقيق السلم الاجتماعي. فالتربية الإسلامية لا تقتصر على الجانب التعبدي فحسب، بل تمتد لتشمل بناء السلوك الإنساني القائم على الرحمة والعدل والتسامح.
إن العنف الأسري يُعدّ من أخطر المشكلات الاجتماعية لما يخلّفه من آثار نفسية وتربوية واجتماعية سلبية على الفرد والأسرة والمجتمع. وتتمثل مظاهره في الاعتداء الجسدي أو النفسي أو اللفظي أو الإهمال، وغالباً ما يكون ناتجاً عن ضعف الوازع الديني وسوء الفهم للتعاليم الإسلامية، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وتبرز التربية الإسلامية كأداة وقائية وعلاجية في مواجهة العنف الأسري، إذ تقوم على غرس القيم الأخلاقية منذ الطفولة، مثل احترام الآخر، وضبط النفس، والحوار، وحسن المعاملة. كما تؤكد على مبدأ المسؤولية داخل الأسرة، حيث لكل فرد حقوق وواجبات متبادلة، ويُعدّ الإخلال بها مدخلاً لانتشار العنف.
ومن أهم الأسس التي تعتمد عليها التربية الإسلامية في مواجهة العنف الأسري ترسيخ مبدأ الرحمة، فقد جعل الإسلام الرحمة أساس العلاقة بين أفراد الأسرة، قال تعالى: “وجعل بينكم مودة ورحمة”. فالرحمة تُسهم في تقليل حدة الخلافات الأسرية، وتدعو إلى التفاهم بدل الصدام، وإلى الإصلاح بدل الانتقام.
كما تؤكد التربية الإسلامية على قيمة العدل داخل الأسرة، فلا يجوز التمييز أو الظلم بين الزوجين أو الأبناء، لأن الظلم يولّد الكراهية والعنف. ومن هنا فإن التربية على العدل والمساواة تُعدّ ركيزة أساسية للحد من السلوكيات العنيفة داخل الأسرة.
وتسهم التربية الإسلامية أيضاً في تعزيز ثقافة الحوار الأسري، حيث تحث على الاستماع المتبادل واحترام الرأي الآخر وحل النزاعات بالطرق السلمية. فالحوار البنّاء يُعدّ وسيلة فعّالة لتخفيف التوترات النفسية التي قد تتحول إلى عنف إذا لم تُعالج بأسلوب تربوي سليم.
ولا يمكن إغفال دور القدوة الحسنة في التربية الإسلامية، إذ يُعدّ الوالدان النموذج الأول الذي يقتدي به الأبناء. وعندما تسود العلاقة الإيجابية القائمة على الاحترام والتفاهم بين الوالدين، فإن ذلك ينعكس إيجاباً على سلوك الأبناء، ويُسهم في بناء بيئة أسرية آمنة خالية من العنف.
كما تلعب المؤسسات التربوية والدينية دوراً مكملاً للأسرة في ترسيخ قيم التربية الإسلامية، من خلال المناهج الدراسية والخطب والبرامج الإرشادية التي تعالج ظاهرة العنف الأسري وتبيّن خطورتها من منظور ديني وأخلاقي، وتدعو إلى نبذها والالتزام بالقيم الإنسانية.
وتُسهم التربية الإسلامية في تعزيز الصحة النفسية لأفراد الأسرة، من خلال ترسيخ مفاهيم الصبر، والتسامح، وضبط الانفعالات، واللجوء إلى الحلول الأخلاقية في مواجهة المشكلات. فالفرد المتوازن نفسياً أقل ميلاً لاستخدام العنف وسيلة للتعبير عن غضبه أو إحباطه.
وفي ظل التحديات المعاصرة، مثل تأثير وسائل الإعلام والعولمة الثقافية، تزداد أهمية التربية الإسلامية في تحصين الأسرة من الأفكار والسلوكيات السلبية التي قد تشجّع على العنف أو تبرّره. فالتربية الواعية تُسهم في بناء وعي نقدي لدى أفراد الأسرة، وتمكّنهم من التمييز بين السلوك السوي والمنحرف.
كما تُعدّ التربية الإسلامية وسيلة فاعلة في إعادة تأهيل الأفراد الذين مارسوا العنف الأسري، من خلال التوجيه والإرشاد الديني، وتعزيز الشعور بالمسؤولية الأخلاقية، والدعوة إلى التوبة والإصلاح، بما يُسهم في إعادة الاستقرار للأسرة.
وتكمن أهمية التربية الإسلامية أيضاً في شموليتها وتوازنها، إذ تجمع بين الجانب الروحي والنفسي والاجتماعي، وتسعى إلى بناء الإنسان الصالح القادر على التفاعل الإيجابي مع أسرته ومجتمعه. وهذا ما يجعلها أداة أساسية في الوقاية من العنف الأسري ومعالجة آثاره.
وفي ضوء ما تقدّم، يتضح أن التربية الإسلامية تمثل ركيزة أساسية في مواجهة تحديات العنف الأسري، لما تحمله من قيم إنسانية وأخلاقية سامية تسعى إلى حماية الأسرة وتعزيز استقرارها. ومن خلال تفعيل دورها في الأسرة والمؤسسات التربوية والمجتمعية، يمكن الحد من هذه الظاهرة وبناء مجتمع يسوده الأمن والسلام.