رواندا (الإفريقية) من الإبادة إلى الدولة … لماذا العراق يتعثر دائماً؟

نبيل خالد مخلف – باحث سياسي

لَيست المآسي الكبرى وحَدها ما يُحدد مَصير الدول، بل الكيفية التي تُدار بِها تلك المآسي وما يُبنى فوق أنقاضِها ويتناسى إرثُها، تجربة رواندا بعَد إبادة عام (1994)، تُمثل مثالاً صادماً عن قدرة دولة مُدمرة بالكامل على إعادة إنتاج نفسها على المستوى السياسي والاقتصادي، في حين لا زال يَقف العراق، رغم عدم تعرضه لإبادة مماثلة، عاجزاً حتى اليوم عن الخروج من دوامة الأزمات.

رواندا خرجت من أكثر صُحف التاريخ الإنساني سوداوية، حيث انهارت الدولة والمجتمع معاً خلال مئة يوم من العنف المنظم، غير أن ما أعقب الإبادة لم يَكن استمراراً لمنطق الثأر أو تصفية الحسابات، بل انتقال محسوب نحو بناء دولة مركزية، جَعلت من الهوية الوطنية إطاراً أعلى من كل الانقسامات الإثنية، إذ اعتمدت القيادة الرواندية على خطاب سياسي مُعتدل يقوم على تجاوز الماضي دون إنكاره، وتحويل الذاكرة الجماعية من أداة صراع إلى رافعة وعي ومسؤولية.

في المقابل، هنا العراق يَعيش مُنذ عقود حالة من اللااستقرار السياسي والاقتصادي، على الرغم من امتلاكه لِموارد طبيعية وبشرية تفوق بكثير ما تملكه (رواندا)، ولا مَناص من القول أن العراق لم يشهد إبادة جماعية شاملة بالمعنى الكلاسيكي، لكنه عانى من حروب متتالية، وعقوبات دولية، واحتلال أجنبي، ثم نظام سياسي ما بعد (2003)، تأسس على منطق المُحاصصة، لا على مفهوم الدولة، وهنا تَكمن المُفارقة “العراق لم يُدمر دفعة واحدة، بل تآكل تدريجياً تحت وطأة سوء الإدارة وغياب الرؤية”.

والمشكلة العراقية ليست في حجم الألم، بل في غياب المشروع الوطني الجامع، فبينما تعاملت رواندا مع الكارثة بوصفها “نقطة صفر”، لإعادة التأسيس، تعامل العراق مع أزماته بوصفها فرصاً لإعادة إنتاج النخب ذاتها، وإدامة منظومة سياسية هشة تحتمي بالتوافق الشكلي وتُدار فعلياً بمنطق الغنيمة، وهنا تحولت “الذاكرة العراقية”، إلى مادة دسمة للاستثمار السياسي، تُستحضر لتبرير الفشل بدل أن تُستثمر لبناء عقد اجتماعي جديد.

اقتصادياً، أدركت رواندا أن التنمية ليست ترفاً، بل واجباً للاستقرار، فذهبت إلى تنويع الاقتصاد، ومحاربة الفساد، وربط الشرعية السياسية بالإنجاز، أما العراق، فبقي أسير الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط، بلا تخطيط استراتيجي، وبلا قدرة حقيقية على تحويل الثروة إلى تنمية، في ظل فساد بنيوي عطل مؤسسات الدولة وأفقد المواطن ثقته بها.

والجدير بالذكر هنا إن المقارنة بين رواندا والعراق لا تهدف إلى تبسيط الفروق أو تجاهل اختلاف السياقات، بل إلى استخلاص درس جوهري مفادهُ “أن الدول لا تنهض تلقائياً بعد المآسي، بل تُبنى بقرارات سياسية جريئة، ورؤية واضحة، وإرادة تضع الدولة فوق الجماعة، والمستقبل فوق الماضي”.

بالتالي، ما يحتاجه العراق اليوم ليس استدعاء نماذج خارجية على نحو استعراضي، بل شجاعة سياسية تعترف بأن الأزمة ليست قدراً، وأن الخروج منها يبدأ بتفكيك بنية النظام القائم، وإعادة تعريف مفهوم الحكم بوصفه مسؤولية لا امتياز، فالتاريخ السياسي أثبت أن الدول يُمكن أن تولد من رحم الإبادة، لكنها قد تموت ببطء في ظل إدارة فاشلة.

قد يعجبك ايضا