أ.د.خليل مصطفى عثمان
لا يُقرأ كتاب «للتاريخ» للرئيس مسعود بارزاني بوصفه مذكرات شخصية لقائد سياسي فحسب، بل باعتباره وثيقة سياسية تُحاول أن تضع التجربة الكوردية الحديثة في سياقها الواقعي، بعيدًا عن الشعارات، وقريبًا من منطق الوقائع القاسية التي حكمت مسار القضية الكوردية طوال قرن من الزمن.
يقدّم بارزاني في كتابه سردًا هادئًا لمحطات مفصلية من النضال الكوردي، كاشفًا عن طبيعة العلاقة المعقّدة بين الكورد و بغداد، وعن دور القوى الإقليمية والدولية التي تعاملت مع القضية الكوردية غالبًا كملف مؤقت لا كحق دائم. اللافت في الكتاب أنه لا يكتفي بتوصيف الظلم التاريخي، بل يعترف بالأخطاء الداخلية، وبأثر الانقسامات الكوردية في إضعاف الموقف السياسي وإهدار فرص تاريخية.
أهم ما يميّز «للتاريخ» هو رسالته الواضحة: السياسة الدولية لا تُدار بالأخلاق، بل بالمصالح، ومن لا يمتلك أدوات القوة والوحدة والمؤسسات، سيبقى عرضة للتخلي مهما بلغت عدالة قضيته. ومن هنا، يتحول الكتاب إلى تحذير مبكر من الإفراط في الثقة بالحلفاء، ودعوة صريحة لبناء القرار الكوردي على أسس داخلية صلبة قبل الرهان على الخارج.
كما يوجّه بارزاني خطابه – وإن ضمنيًا – إلى الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن حفظ الذاكرة السياسية ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة استراتيجية لتجنّب إعادة إنتاج الخسارات نفسها بأسماء وشعارات جديدة.
في المحصلة، لا يسعى كتاب «للتاريخ» إلى تبرئة الماضي أو تبرير الحاضر، بل إلى تسجيل التجربة كما هي: بنجاحاتها وإخفاقاتها. وهو بذلك يشكّل مادة أساسية لكل من يريد فهم القضية الكوردية بوصفها قضية سياسية معاصرة، لا مجرد حكاية مظلومية تاريخية.