الكُرد: شعبٌ صاغته المعاناة لا أسطورة “الاختيار الإلهي”

عواد علي

ليس كل شعبٍ نجا من المحن بحاجةٍ إلى أسطورة ترفعه فوق التاريخ، ولا كل أمةٍ عانت مطالَبةٌ بأن تنسب وجودها إلى “اختيار إلهي” كي تسوّغ حقها في الحياة، فبعض الشعوب صاغتها المعاناة وحدها، وصقلتها التجربة التاريخية القاسية، وعلّمتها أن البقاء ليس هبةً سماويةً، بل ثمرة صبرٍ طويل ومقاومة يومية. هكذا يمكن النظر إلى الشعب الكردي: شعبٌ تشكّل في النار، لا في النصوص المقدسة، وفي الجبال والدموع لا في وعود التفوق أو الامتياز.
تاريخ البشرية حافل بأساطير “الاختيار الإلهي” التي استخدمتها أممٌ وقوى سياسية لتسويغ الهيمنة أو الإقصاء أو احتكار الحقيقة. وغالباً ما تتحول هذه الأساطير من سرديات دينية أو ثقافية إلى أدوات سياسية تشرعن العنف وتلغي الآخر. في المقابل، يقف الكُرد على الضفة الأخرى من التاريخ: بلا أسطورة خلاص، بلا وعد سماوي، بلا دولة تحمي الرواية الرسمية.
لم يقل الكُرد يوماً إنهم “شعب الله المختار”، كما قال اليهود، ولم يدّعوا امتلاك الحقيقة المطلقة أو التفوق العرقي، بل على العكس، كانت مشكلتهم الدائمة أنهم شعب واقعي أكثر مما ينبغي في عالمٍ تحكمه الأوهام المؤسسة للهوية بالقوة.
وُلد الكُرد في منطقة لا ترحم: جغرافيا جبلية قاسية، تتقاطع فوقها الإمبراطوريات، وتتكسّر عندها مشاريع الدول. كانت الجبال ملاذهم الوحيد، لكنها كانت أيضاً عزلتهم الكبرى، فمنذ انهيار الإمبراطوريات القديمة وحتى تشكّل دول الشرق الأوسط الحديثة، ظل الكُرد خارج المعادلات، أو داخلها كضحية.
قسّمتهم اتفاقيات لم يكونوا طرفاً فيها، ورُسمت حدود فوق قراهم ولغتهم وذاكرتهم. وهنا بدأت المعاناة لا بوصفها حدثاً طارئاً، بل بوصفها بنيةً تاريخيةً مستمرة.ً
المعاناة بوصفها هويةً
ما صاغ الهوية الكردية ليس نصاً دينياً ولا مشروعاً تبشيرياً، بل تراكم القمع: منع اللغة، تغيير الأسماء، سياسات التعريب والتتريك والتفريس، حملات الإبادة، والتهجير القسري. ومع ذلك، لم تتحول المعاناة إلى أيديولوجيا كراهية، بل إلى وعيٍ حذر بالذات.
الكُرد لم يبنوا هويتهم على نفي الآخرين، بل على حماية أنفسهم من الذوبان. وهذا فارق أخلاقي جوهري: الدفاع عن الوجود لا يعني ادعاء التفوق.
بلا دولة… وبلا وهم
الدولة غالباً ما تصنع الأساطير، وتعيد كتابة التاريخ، وتمنح نفسها شرعيةً مقدسةً. والكُرد، لافتقارهم إلى دولة قومية جامعة، افتقروا أيضاً إلى ماكينة إنتاج الوهم. بقوا عراةً أمام التاريخ، يُحاسَبون على أفعالهم بلا غطاء، ويُقتَلون بلا سردية كبرى تدافع عنهم. وربما لهذا السبب، ظل الخطاب الكردي في جوهره خطاب مظلومية لا خطاب امتياز، وخطاب حقوق لا خطاب رسالة كونية مزعومة.
المفارقة اللافتة أن شعباً صاغته المعاناة لم يتحول، في مجمله، إلى شعبٍ انتقامي. في التجارب الكردية المعاصرة، وخصوصاً في كردستان العراق وسوريا، ظهرت محاولات لبناء نموذج سياسي قائم على التعددية والاعتراف بالآخر، لا على الإلغاء. قد تكون هذه التجارب ناقصةً أو محاصَرة أو قابلة للنقد، لكنها أخلاقياً تختلف جذرياً عن مشاريع قائمة على أساطير التفوق والاختيار.
ومع ذلك، لا يجوز تقديس المعاناة نفسها. فالمعاناة ليست فضيلةً بحد ذاتها، بل جرح مفتوح. والوعي الكردي الأكثر نضجاً هو ذلك الذي يرفض تحويل الألم إلى هوية أبدية، ويسعى لتحويله إلى درس تاريخي لا إلى لعنة أبدية.
الكرُد ليسوا شعباً استثنائياً بمعنى التفوق، بل شعبٌ استثنائي بمعنى التحمّل. وهذا الاستثناء لا يمنحهم حق قهر غيرهم، بل يضع عليهم مسؤوليةً أخلاقية مضاعفةً أن لا يصبحوا ما عانوا منه، فالتاريخ لا يختار شعوباً، لكنه يختبرها، والكُرد، على قسوة الاختبار، ما زالوا واقفين، وهم أكثر صدقاً وأقرب إلى جوهر التاريخ.

قد يعجبك ايضا