الكاتب مهدي گلي / دهوك
إلى متى يبقى الدم الكوردي بلا شاهد، والألم بلا محكمة، والجريمة بلا عقاب؟
سؤال يتكرر مع كل مجزرة، مع كل قرية تُفرَّغ من أهلها، ومع كل طفل يُدفن قبل أن يعرف معنى الوطن. إن السكوت المستمر عن الجرائم الإرهابية التي تُرتكب بحق الشعب الكوردي لم يعد حيادًا، بل أصبح شراكة غير معلنة في الجريمة، وتواطؤًا أخلاقيًا وسياسيًا لا يمكن تبريره.
لقد كان الشعب الكوردي، عبر عقود طويلة، هدفًا مباشرًا لمشاريع التطرف والإرهاب، سواء بصيغته الداعشية، أو عبر جماعات مسلحة تتستر بالدين، أو عبر أنظمة استبدادية استخدمت الفكر المتطرف أداةً للقمع والإبادة. والنتيجة واحدة: قتل على الهوية، تهجير قسري، تدمير ممنهج للثقافة واللغة، ومحاولات مستمرة لاقتلاع الكوردي من أرضه وتاريخه.
المؤلم ليس فقط حجم الجرائم، بل الصمت الدولي والإقليمي المريب. أين الضمير العالمي حين تُقصف القرى الكوردية؟ أين منظمات حقوق الإنسان حين تُختطف النساء الكورديات، ويُباعن في أسواق النخاسة، أو يُدفنّ تحت أنقاض الصراعات؟ لماذا يتحول القانون الدولي إلى نصوص جامدة عندما يكون الضحية كورديًا؟
لقد أثبتت الوقائع أن الإرهاب لا يستهدف الكورد لسبب عابر، بل لأنهم يمثلون نقيضًا فكريًا وسياسيًا له. فالكوردي، بتكوينه الثقافي والتاريخي، يقف في صف التعددية، وحرية المعتقد، وحقوق المرأة، والتعايش بين القوميات والأديان. وهذه القيم تشكل تهديدًا مباشرًا لأي فكر ظلامي لا يعيش إلا على الكراهية والإقصاء. لذلك، كان استهداف الكورد جزءًا من مشروع أوسع لإخماد أي نموذج مدني ديمقراطي في المنطقة.
ومع ذلك، ورغم كل هذه التضحيات، يُطلب من الكوردي دائمًا الصبر، وضبط النفس، وانتظار “الظروف المناسبة”. لكن متى كانت العدالة تُؤجَّل دون أن تموت؟ ومتى كان الصمت طريقًا للسلام؟ إن السكوت المستمر لا يحمي الاستقرار، بل يغذي الإرهاب، ويمنحه رسالة واضحة مفادها أن الجرائم يمكن أن تمر بلا حساب.
الأخطر من ذلك هو ازدواجية المعايير في التعامل مع الإرهاب. فحين تُضرب مصالح الدول الكبرى، تُستنفَر الجيوش وتُعقد المؤتمرات، وتُفرض العقوبات. أما حين يُقتل الكوردي في الجبال أو القرى النائية، يُكتفى ببيانات خجولة لا تُسمن ولا تُغني من حق. هذه الازدواجية لا تهدد الكورد وحدهم، بل تقوض مصداقية النظام الدولي برمته.
إن الشعب الكوردي لا يطلب المستحيل، ولا يسعى إلى امتيازات خاصة، بل يطالب بحقه الطبيعي في الحياة والكرامة والأمن. يطالب باعتراف واضح بأن ما يتعرض له هو إرهاب منظم، وليس “أحداثًا جانبية” أو “صراعات محلية”. يطالب بمحاسبة حقيقية للجهات التي تموّل وتدعم وتغطي هذه الجماعات الإرهابية، سواء كانت دولًا أو تنظيمات أو أفرادًا.
كما أن على النخب السياسية والإعلامية في المنطقة مسؤولية تاريخية. فالتغاضي عن الجرائم، أو تبريرها تحت أي ذريعة دينية أو سياسية، هو خيانة للقيم الإنسانية قبل أن يكون خيانة للضحايا. الكلمة الصادقة اليوم قد تنقذ أرواحًا غدًا، أما الصمت فلن يجلب إلا مزيدًا من الدم.
إن الكوردي الذي قاوم الإرهاب، ودافع عن العالم بأسره حين تصدى لتنظيمات متطرفة هددت البشرية جمعاء، لا يستحق هذا النسيان. دماء البيشمركة، وصمود المدنيين، وتضحيات النساء والرجال، ليست أوراقًا تفاوضية تُستخدم ثم تُهمل، بل دين أخلاقي في عنق كل من ادعى يومًا الدفاع عن الحرية وحقوق الإنسان.
وفي الختام، يبقى السؤال مفتوحًا، لكنه لم يعد بريئًا:
إلى متى سيستمر هذا السكوت؟
إلى متى يُترك الشعب الكوردي وحيدًا في مواجهة آلة الإرهاب؟
إن التاريخ لا يرحم الصامتين، والعدالة قد تتأخر، لكنها لا تنسى.
وسيأتي يوم يُسأل فيه الجميع: أين كنتم حين كان الكوردي يُقتل؟…