د. فكري عزيز حمد السورجي
تُعد قاعدة (العقد شريعة المتعاقدين) من القواعد الأساسية في القانون المدني، إذ تقوم على مبدأ احترام الإرادة الحرة للأطراف المتعاقدة، واعتبار ما يتم الاتفاق عليه ملزماً لهم ما دام قد أُبرم وفقاً لأحكام القانون. وتُجسد هذه القاعدة جوهر الاستقرار في المعاملات القانونية، لما لها من أثر مباشر في تنظيم العلاقات التعاقدية وحماية الحقوق والالتزامات الناشئة عنها.
ويُقصد بهذه القاعدة أن العقد الذي ينعقد صحيحاً مستوفياً لأركانه وشروطه القانونية يصبح بمنزلة القانون الخاص الذي يحكم أطرافه، فلا يجوز لأي منهم الانفراد بنقضه أو تعديله إلا برضا الطرف الآخر أو وفقاً لما يقرره القانون. ويستند هذا المبدأ إلى فكرة احترام الثقة المشروعة بين المتعاقدين، وتحقيق الأمن القانوني في المعاملات.
وتبرز أهمية قاعدة العقد شريعة المتعاقدين في كونها تمنح المتعاقدين حرية واسعة في تحديد مضمون التزاماتهم وحقوقهم، شريطة ألا يخالف العقد النظام العام أو الآداب العامة. فحرية التعاقد ليست مطلقة، بل مقيدة بالضوابط التي يفرضها المشرّع حمايةً للمصلحة العامة ومنعاً لاستغلال أحد الأطراف للآخر.
كما تُسهم هذه القاعدة في استقرار المعاملات الاقتصادية والاجتماعية، إذ يطمئن الأفراد إلى أن ما يتفقون عليه سيُحترم ويُنفذ، الأمر الذي يشجع على الاستثمار والتعامل بثقة. ويؤدي الإخلال بهذه القاعدة إلى زعزعة الثقة في المعاملات، وإضعاف الروابط القانونية التي تقوم عليها الحياة الاقتصادية.
ومن الناحية القانونية، يترتب على إعمال قاعدة العقد شريعة المتعاقدين التزام القاضي بتفسير العقد وتنفيذه وفقاً لإرادة الأطراف المشتركة، وعدم التدخل في تعديل شروطه إلا في الحالات الاستثنائية التي يجيزها القانون، كحالة الظروف الطارئة أو التعسف في استعمال الحق. ويُعد هذا التوازن بين احترام العقد وحماية العدالة من أهم مظاهر تطور الفكر القانوني الحديث.
وتتجلى القاعدة أيضاً في التزام المتعاقدين بتنفيذ العقد بحسن نية، إذ لا يقتصر الأمر على الالتزام الحرفي بالنصوص، بل يمتد ليشمل الالتزام بروح العقد ومقصده، بما يحقق العدالة والتوازن بين المصالح المتقابلة. ويُعد حسن النية عنصراً مكملاً لقاعدة العقد شريعة المتعاقدين، يضمن عدم الانحراف بها عن غاياتها المشروعة.
وفي ضوء ما تقدم، يتضح أن قاعدة العقد شريعة المتعاقدين تشكل حجر الأساس في النظرية العامة للعقد، لما توفره من استقرار قانوني وضمان لاحترام الإرادة التعاقدية، مع إخضاعها في الوقت ذاته لرقابة القانون تحقيقاً للعدالة وحمايةً للمصلحة العامة.