عقدة الت عقدة التخلّي عن الحلفاء المحليين

من مهاباد 1946 إلى كوردستان العراق 1975 وروژآفا2026… درس يتكرر بلا نهاية

أ.د.خليل مصطفى عثمان

في كل مرة يقترب فيها الكورد من حافة الدولة، أو يلمسون لحظة اعتراف دولي غير مباشر، تتكرر المأساة ذاتها: التخلي عن الحليف المحلي. ليست المسألة خيانة أخلاقية بقدر ما هي منطق ثابت في السياسة الدولية، حيث تُستخدم القوى المحلية أدواتٍ مؤقتة، ثم تُرمى عند تغيّر موازين المصالح.

يوم تأسيس جمهورية كوردستان في مهاباد 22كانون الثاني عام 1946 لم يكن مجرد لحظة احتفالية عابرة، بل بداية اختبار قاسٍ لمنطق التحالفات الدولية، واكتشاف مبكر لطبيعة العلاقة غير المتكافئة بين القوى الكبرى والحركات القومية التحررية. فمنذ تلك اللحظة، بدأت تتشكل عقدة سياسية ستلاحق الكورد حتى يومنا هذا.
أولًا: مهاباد 1946 – حين أُغلقت الصفحة السوفيتية
لم تسقط جمهورية كوردستان عسكريًا بقدر ما سقطت سياسيًا. فقد قامت الجمهورية في ظل وجود عسكري سوفيتي شمال إيران، وفي لحظة صراع دولي بين موسكو والغرب. كان الاتحاد السوفيتي يرى في الورقة الكوردية وسيلة ضغط على طهران، لا مشروع دولة قابل للحياة.

ومع أول تفاهم دولي حقيقي بين موسكو والولايات المتحدة وبريطانيا حول مستقبل إيران، انسحبت القوات السوفيتية بلا أي ضمانات، وترك الكورد وحدهم في مواجهة الدولة الإيرانية. لم يُطرح مصير الجمهورية على طاولة المفاوضات، ولم تُدرج أي حماية سياسية لها.

هكذا تحولت مهاباد من “حليف ظرفي” إلى عبء يجب التخلص منه سريعًا.

الدرس الأول: القوى العظمى لا تحمي الكيانات الصغيرة إذا لم تُدرج رسميًا في صلب الاتفاقات الدولية.
ثانيًا: كوردستان العراق 1975 – البراغماتية الأمريكية العارية

في اتفاقية الجزائر عام 1975، كررت الولايات المتحدة السيناريو ذاته ولكن ببرود أكبر. فقد دعمت الحركة الكوردية في العراق لسنوات، ليس إيمانًا بحق تقرير المصير، بل لاستخدامها ورقة ضغط ضد بغداد، ضمن صراع إقليمي أوسع.
وبمجرد أن توصلت واشنطن وطهران وبغداد إلى تسوية تخدم مصالحهم الاستراتيجية، قُطع الدعم فجأة، لم يكن هناك التزام أخلاقي، ولا حتى محاولة لتأمين انسحاب منظم أو حماية سياسية.

الوثائق الأمريكية نفسها، ولا سيما تقارير لجنة بايك، تؤكد أن التخلي كان قرارًا واعيًا ومخططًا، لا خطأً في التقدير.

الدرس الثاني: التحالف غير المؤطر قانونيًا هو تحالف قابل للانهيار في أي لحظة.
ثالثًا: روژآفا – الشريك العسكري بلا أفق سياسي

في شمال وشرق سوريا، بلغ نمط التخلي ذروته تعقيدًا. فقد اعتمدت الولايات المتحدة على قوات سوريا الديمقراطية كقوة برية رئيسية في هزيمة تنظيم داعش، ووفرت لها غطاءً عسكريًا مؤقتًا.

لكن هذا الدعم لم يتحول يومًا إلى مشروع سياسي واضح. لم يُعترف بالإدارة الذاتية، ولم تُدرج ضمن أي تصور رسمي لمستقبل سوريا. ومع تغيّر الأولويات الأمريكية، وظهور تفاهمات مع أنقرة ودمشق، تُركت روژآفا في منطقة رمادية: لا عدو كامل ولا حليف مضمون.

النتيجة: شريك قاتل نيابة عن العالم، لكنه لم يُكافأ باعتراف أو ضمان.

الدرس الثالث: الشراكة العسكرية دون أفق سياسي هي وصفة مؤكدة للتخلي.

رابعًا: النمط المتكرر… أين الخطأ؟

في الحالات الثلاث، يتكرر المشهد نفسه:

قوة كبرى تدعم طرفًا محليًا

الدعم يكون ظرفيًا ومرتبطًا بصراع أكبر

لا يوجد اعتراف قانوني أو ضمان دولي

عند تغيّر المصالح، يحدث الانسحاب

يُترك الحليف المحلي لمصيره

الخطأ لا يكمن فقط في “خيانة الخارج”، بل في سوء قراءة الداخل لمنطق النظام الدولي. فالدول لا تُبنى على الوعود، ولا تُحمى بالرمزية، بل تُصان بإدراجها ضمن معادلات المصالح طويلة الأمد.
خاتمة: مهاباد ليست ذكرى… بل تحذير دائم

في ذكرى تأسيس جمهورية كوردستان في مهاباد، لا ينبغي الاكتفاء بإحياء الذاكرة، بل إعادة تفكيك الدرس. فمهاباد،ونكسة الجزائر عام 1975، وروژآفا ليست محطات منفصلة، بل سلسلة واحدة من الإخفاقات الدولية المتوقعة.

إن عقدة التخلي عن الحلفاء المحليين ليست قدرًا محتومًا، لكنها ستظل تتكرر ما لم يتحول المشروع الكوردي من ورقة تُستخدم إلى فاعل سياسي مستقل، يفرض وجوده داخل التوازنات لا على هامشها.
التاريخ لا يظلم من لا يقرأه… بل يعاقبه.

من مهاباد 1946 إلى كوردستان العراق 1975 وروژآفا2026… درس يتكرر بلا نهاية
أ.د.خليل مصطفى عثمان
في كل مرة يقترب فيها الكورد من حافة الدولة، أو يلمسون لحظة اعتراف دولي غير مباشر، تتكرر المأساة ذاتها: التخلي عن الحليف المحلي. ليست المسألة خيانة أخلاقية بقدر ما هي منطق ثابت في السياسة الدولية، حيث تُستخدم القوى المحلية أدواتٍ مؤقتة، ثم تُرمى عند تغيّر موازين المصالح.

يوم تأسيس جمهورية كوردستان في مهاباد 22كانون الثاني عام 1946 لم يكن مجرد لحظة احتفالية عابرة، بل بداية اختبار قاسٍ لمنطق التحالفات الدولية، واكتشاف مبكر لطبيعة العلاقة غير المتكافئة بين القوى الكبرى والحركات القومية التحررية. فمنذ تلك اللحظة، بدأت تتشكل عقدة سياسية ستلاحق الكورد حتى يومنا هذا.
أولًا: مهاباد 1946 – حين أُغلقت الصفحة السوفيتية
لم تسقط جمهورية كوردستان عسكريًا بقدر ما سقطت سياسيًا. فقد قامت الجمهورية في ظل وجود عسكري سوفيتي شمال إيران، وفي لحظة صراع دولي بين موسكو والغرب. كان الاتحاد السوفيتي يرى في الورقة الكوردية وسيلة ضغط على طهران، لا مشروع دولة قابل للحياة.

ومع أول تفاهم دولي حقيقي بين موسكو والولايات المتحدة وبريطانيا حول مستقبل إيران، انسحبت القوات السوفيتية بلا أي ضمانات، وترك الكورد وحدهم في مواجهة الدولة الإيرانية. لم يُطرح مصير الجمهورية على طاولة المفاوضات، ولم تُدرج أي حماية سياسية لها.

هكذا تحولت مهاباد من “حليف ظرفي” إلى عبء يجب التخلص منه سريعًا.

الدرس الأول: القوى العظمى لا تحمي الكيانات الصغيرة إذا لم تُدرج رسميًا في صلب الاتفاقات الدولية.
ثانيًا: كوردستان العراق 1975 – البراغماتية الأمريكية العارية

في اتفاقية الجزائر عام 1975، كررت الولايات المتحدة السيناريو ذاته ولكن ببرود أكبر. فقد دعمت الحركة الكوردية في العراق لسنوات، ليس إيمانًا بحق تقرير المصير، بل لاستخدامها ورقة ضغط ضد بغداد، ضمن صراع إقليمي أوسع.
وبمجرد أن توصلت واشنطن وطهران وبغداد إلى تسوية تخدم مصالحهم الاستراتيجية، قُطع الدعم فجأة، لم يكن هناك التزام أخلاقي، ولا حتى محاولة لتأمين انسحاب منظم أو حماية سياسية.

الوثائق الأمريكية نفسها، ولا سيما تقارير لجنة بايك، تؤكد أن التخلي كان قرارًا واعيًا ومخططًا، لا خطأً في التقدير.

الدرس الثاني: التحالف غير المؤطر قانونيًا هو تحالف قابل للانهيار في أي لحظة.
ثالثًا: روژآفا – الشريك العسكري بلا أفق سياسي

في شمال وشرق سوريا، بلغ نمط التخلي ذروته تعقيدًا. فقد اعتمدت الولايات المتحدة على قوات سوريا الديمقراطية كقوة برية رئيسية في هزيمة تنظيم داعش، ووفرت لها غطاءً عسكريًا مؤقتًا.

لكن هذا الدعم لم يتحول يومًا إلى مشروع سياسي واضح. لم يُعترف بالإدارة الذاتية، ولم تُدرج ضمن أي تصور رسمي لمستقبل سوريا. ومع تغيّر الأولويات الأمريكية، وظهور تفاهمات مع أنقرة ودمشق، تُركت روژآفا في منطقة رمادية: لا عدو كامل ولا حليف مضمون.

النتيجة: شريك قاتل نيابة عن العالم، لكنه لم يُكافأ باعتراف أو ضمان.

الدرس الثالث: الشراكة العسكرية دون أفق سياسي هي وصفة مؤكدة للتخلي.

رابعًا: النمط المتكرر… أين الخطأ؟

في الحالات الثلاث، يتكرر المشهد نفسه:

قوة كبرى تدعم طرفًا محليًا

الدعم يكون ظرفيًا ومرتبطًا بصراع أكبر

لا يوجد اعتراف قانوني أو ضمان دولي

عند تغيّر المصالح، يحدث الانسحاب

يُترك الحليف المحلي لمصيره.

الخطأ لا يكمن فقط في “خيانة الخارج”، بل في سوء قراءة الداخل لمنطق النظام الدولي. فالدول لا تُبنى على الوعود، ولا تُحمى بالرمزية، بل تُصان بإدراجها ضمن معادلات المصالح طويلة الأمد.
خاتمة: مهاباد ليست ذكرى… بل تحذير دائم

في ذكرى تأسيس جمهورية كوردستان في مهاباد، لا ينبغي الاكتفاء بإحياء الذاكرة، بل إعادة تفكيك الدرس. فمهاباد،وانتكاسة الجزائر عام 1975، وروژآفا ليست محطات منفصلة، بل سلسلة واحدة من الإخفاقات الدولية المتوقعة.

إن عقدة التخلي عن الحلفاء المحليين ليست قدرًا محتومًا، لكنها ستظل تتكرر ما لم يتحول المشروع الكوردي من ورقة تُستخدم إلى فاعل سياسي مستقل، يفرض وجوده داخل التوازنات لا على هامشها.
التاريخ لا يظلم من لا يقرأه… بل يعاقبه.

قد يعجبك ايضا