كوردستان والفاتيكان… حين يتكلّم الصمت بلغة السلام

أحمد زبير باني

ليست كل اللقاءات التي تُلتقط لها الصور تُخلَّد في الذاكرة، وليست كل المصافحات أحداثًا تاريخية. لكن ثمّة لحظات نادرة، حين يلتقي مكانان لا يجمعهما الجغرافيا بل المعنى، فيغدو الصمت بينهما أبلغ من الخطب، وتتحوّل الإيماءة إلى موقف، والزيارة إلى رسالة.

في الفاتيكان، حيث تُختصر قرون من الإيمان في حجر، وتُقرأ معاناة البشرية في صلوات، التقت كوردستان. لا كخارطة سياسية، ولا كقضية نزاع، بل كتجربة إنسانية اختارت، وسط عالم مضطرب، أن تقول “نعم” للتعايش حين قال الآخرون “لا” للاختلاف.

لقاء الرئيس مسعود بارزاني مع قداسة البابا لم يكن حدثًا بروتوكوليًا يُدرج في أرشيف العلاقات العامة، بل كان اعترافًا غير معلن بأن السلام ليس شعارًا يُرفع، بل سلوكًا يُمارَس. ففي زمن تُقاس فيه القوة بقدرة الدول على الإقصاء، جاءت كوردستان لتُقاس بقدرتها على الاحتواء.

في الشرق الأوسط، حيث تُستَخدم الهويات وقودًا للصراع، اختارت كوردستان أن تجعل منها جسورًا. لم تُسأل الأديان عن أعداد أتباعها، ولا القوميات عن أصولها، بل سُئل الإنسان عن حقه في الحياة الكريمة. وهذه ليست سياسة عابرة، بل فلسفة حكم.

الفاتيكان، وهو ينظر إلى هذه التجربة، لم يكن ينظر إلى إقليم، بل إلى فكرة: أن التعايش ليس ضعفًا، وأن حماية المختلف ليست تنازلًا، وأن السلام لا يُصنَع بالحياد البارد، بل بالموقف الأخلاقي الواضح.

هذا اللقاء قال للعالم ما لم تقله المؤتمرات: إن السلاح قد يحمي الحدود، لكنه لا يحمي القيم؛ وإن الأرض يمكن الدفاع عنها بالقوة، لكن الإنسان لا يُحمى إلا بالعدل. وكوردستان، في هذه المعادلة الصعبة، اختارت أن تحرس الإنسان قبل الحجر.

ربما لن يغيّر هذا اللقاء خرائط السياسة بين ليلة وضحاها، لكنه بالتأكيد غيّر طريقة النظر إلى كوردستان. لم تعد مجرد جزء من أزمة إقليمية، بل صارت استثناءً أخلاقيًا في زمن الانهيارات، وصوتًا هادئًا في عالم يصرخ.

وفي النهاية، ليس المهم أن كوردستان زارت الفاتيكان، بل أن السلام وجد—ولو لوهلة نادرة—من يفهمه، ويتحدث باسمه، دون أن يساوم عليه.

قد يعجبك ايضا