مظلوم عبدي لا يلعب النرد، بل يلعب الشطرنج

عبادة دللو

في حضرة “الجنرال” مظلوم عبدي، تسقط الحسابات الانفعالية. هذا الرجل أثبت مرة تلو الأخرى أنه لا يلعب النرد، بل يلعب الشطرنج على رقعة مشتعلة. بصمتٍ ودهاء، وبينما يظن الجميع أن السفينة تغرق، كان هو يعيد هندسة الأشرعة لركوب العاصفة ذاتها.

ما يراه قاصرو النظر نهاية، خطط له الجنرال ليكون بدايةً من الداخل.
إنها حنكة القائد الذي يعرف متى ينحني ليمرر العاصفة، ومتى يندمج ليحمي الرأس والجسد.

دعونا نترك العويل واللطم للهواة، ونترك “الانتصارات الفيسبوكية” لأصحاب العقول البسيطة.
من يقرأ المشهد بعين جنرال، لا بعين مشجّع، يدرك أن ما جرى في الرقة ودير الزور، وما يجري في الحسكة خلال “مهلة الأيام الأربعة”، ليس سقوطاً.. بل أخطر عملية “إعادة تموضع” في تاريخ المنطقة.

نحن لا نشهد انسحاباً. نحن نشهد انتقالاً ذكياً من خارج أسوار الدولة إلى نواتها الصلبة.

أولاً: فخ الرقة ودير الزور – الأرض المحروقة إدارياً

هل تظنون حقاً أننا “هربنا” من الرقة وريف دير الزور؟
الحقيقة أبرد وأذكى: تخلّصنا من “الوزن الزائد” القاتل.
تلك المناطق كانت مستنقع استنزاف: عشائر ناقمة، بنية تحتية مدمرة، أزمات كهرباء، ماء، خبز، ورواتب، وصداع خدمات لا ينتهي.
القرار كان بسيطاً وشيطانياً: ارمِ الكرة الملتهبة في حضن دمشق.
* اليوم من سيدفع الفاتورة؟ دمشق.
* من سيُصلح الخراب؟ دمشق.
* من سيواجه غضب الناس والعشائر؟ دمشق.
نحن خرجنا من “مستنقع الخدمات” لنتفرغ للتركيز على “مربع القوة والقرار”.

ثانياً: لغز الحسكة ومهلة الأيام الأربعة

هنا بيت القصيد.. وهنا سوء الفهم الكبير.
مهلة “الأيام الأربعة” ليست مهلة لحزم الحقائب والرحيل، بل هي مهلة جرد وترتيب قوائم.

باللغة العسكرية: هذه مرحلة “انتقالية هجينة”. دمشق تظن أنها ستدخل الحسكة “فاتحة”، والواقع أننا نطبّق استراتيجية الاندماج الملغوم.
الجيش السوري لن يجلب جنوداً من المريخ هو سيقوم بـ “تسوية أوضاع” الموجودين أصلًا.

بمعنى أوضح: المقاتل الذي كان يُقصف بالأمس لأنه يحمل شعار “قسد”، سيصبح غداً محمياً بالقانون الدولي والسيادة لأنه يرتدي بدلة “الجيش السوري”.

هذه ليست إذابة.. هذا اختراق شرعي.

ثالثاً: النتيجة التي لا يريدون رؤيتها
نحن أمام أكبر عملية “غسيل سياسي” لوجودنا العسكري:
* السلاح: بقي في أيدينا (تحت مسميات وتشكيلات رسمية جديدة).
* الأرض: بقيت تحت حمايتنا (لأننا أبناؤها).
* التمويل: انتقل من “تحالف متقلّب” إلى “ميزانية دولة” ثابتة.
الخلاصة التي توجع الرأس:
ببساطة، نحن لم نعد “ميليشيا يمكن قصفها”، بل أصبحنا جزءاً من الدولة التي لا يمكن قصفها دون عواقب دولية.
* نحن لم ننسحب.. نحن تماهينا.
* نحن لم نخسر الأرض.. جعلنا دمشق تدفع فاتورة البقاء فيها.
* نحن انتقلنا من “قوة أمر واقع خارج القانون” إلى “الدولة العميقة داخل القانون”.

فليحتفلوا برفع الأعلام في الساحات، ونحن سنحتفل بأننا أجبرنا “الخصم” على أن يشرعننا، يسلّحنا، يدفع رواتبنا، ويحمي وجودنا قانونياً.. بينما مفاتيح “الأمر الواقع” لا تزال في جيوبنا.

الذكاء ليس أن تواجه العاصفة فتتكسر.. الذكاء أن تدخل قلب العاصفة، وتتحكم بمسارها.

قد يعجبك ايضا