نعم، مع الكُرد في سوريا

الاستاذ عواد علي

لم تعد القضية الكُردية في سوريا شأناً محلياً يخص جغرافيا محددة أو قومية بعينها، بل غدت اليوم معياراً أخلاقياً وسياسياً لكل من يزعم الدفاع عن الحرية والتعددية وحق الشعوب في العيش بكرامة. فما يجري على الأرض السورية منذ سنوات طويلة كشف وجوهاً كثيرة للصراع: أنظمة مستبدة، جماعات متطرفة، قوى إقليمية متصارعة، ومجتمعات تبحث عن ملاذ آمن وسط الفوضى. وفي قلب هذه العاصفة وقف الكُرد السوريون في مواجهة أعتى موجات التطرف والإرهاب، ودفعوا ثمناً باهظاً من دمائهم ومدنهم وأحلامهم.
لقد أدرك الكُرد مبكراً أن الخطر الحقيقي على سوريا ليس فقط في بقاء الاستبداد، بل أيضاً في تمدد الفكر الظلامي الذي حاولت التنظيمات التكفيرية فرضه على المجتمع السوري. وبينما كانت مدن كثيرة تسقط تباعاً تحت رايات التكفير والقتل، اختارت المناطق الكُردية طريقاً مختلفاً: طريق التنظيم الذاتي، والدفاع عن الأرض، وبناء نموذج مدني يقوم على المشاركة والمساواة وحق المرأة والحريات العامة. ومن هنا تحولت مدن مثل كوباني والقامشلي وعفرين إلى رموز للمقاومة ضد الإرهاب، لا في الوجدان الكُردي وحده، بل في الوجدان الإنساني كله.
لم تكن معركة الكُرد مع المتطرفين معركة عسكرية فحسب، بل كانت معركة قيم وثقافة. فالتنظيمات الإرهابية أرادت سوريا بلداً أحادي اللون، يُلغى فيه التنوع القومي والديني والمذهبي، وتُمحى منه كل أشكال الحياة المدنية الحديثة. أما الكُرد فقدموا نموذجاً معاكساً تماماً: نموذجاً يعترف بالعرب والسريان والآشوريين والتركمان، ويمنح المرأة مكانتها، ويؤمن بأن سوريا لا يمكن أن تُبنى إلا على أساس المواطنة لا الغلبة.
لهذا السبب تحديداً استُهدف الكُرد أكثر من غيرهم. فالمتطرفون لا يخافون السلاح بقدر ما يخافون الفكرة المختلفة. وقد رأوا في التجربة الكُردية تهديداً مباشراً لمشروعهم القائم على الكراهية والإقصاء. فكانت الهجمات المتكررة على مناطقهم، وكانت محاولات شيطنتهم إعلامياً، وتصويرهم كخطر على “وحدة سوريا”، في حين أن الخطر الحقيقي كان– وما يزال – في الفكر الإرهابي الذي دمّر المدن وهجّر الملايين.
إن الوقوف مع الكُرد اليوم هو وقوف مع مستقبل سوريا ذاتها. فمن يدافع عن حقوقهم إنما يدافع عن حق كل سوري في أن يعيش بلا خوف من المتطرفين، وبلا وصاية من جماعات مسلحة تريد إعادة المجتمع إلى عصور الظلام. والذين يهاجمون الكُرد أو يساوون بينهم وبين التنظيمات الإرهابية يرتكبون خطيئة أخلاقية كبرى، لأنهم يتجاهلون حقيقة بسيطة: لولا تضحيات المقاتلين والمقاتلات الكُرد في شمال سوريا، لكانت خريطة الإرهاب اليوم أوسع بكثير، ولكانت المنطقة كلها غارقة في فوضى أشد سواداً.
إن التضامن مع الكُرد موقف إنساني تقدمي وأخلاقي، فمعركتهم ضد التطرف هي معركة كل إنسان يؤمن بحق الحياة والاختلاف. وهم لم يطلبوا امتيازاً على حساب أحد، بل طالبوا فقط بما هو بديهي: الاعتراف بوجودهم، بلغتهم، بثقافتهم، وبحقهم في إدارة شؤونهم ضمن سوريا ديمقراطية موحدة.
من هنا ينبغي للمثقفين العرب، والقوى الديمقراطية، وكل أصحاب الضمير الحر، أن يعلنوا موقفاً واضحاً لا لبس فيه: نحن مع الكُرد ضد المتطرفين والإرهابيين في سوريا. مع حقهم في الأمان والكرامة. مع تجربتهم المدنية. ومع حلمهم المشروع بوطن لا يكون فيه الإنسان هدفاً للقتل بسبب لغته أو دينه أو قوميته.
فالمستقبل لن يكون لمن يرفع رايات الكراهية، بل لمن يبني جسور العيش المشترك. والكُرد، رغم الجراح العميقة، ما زالوا يقدّمون مثالاً على أن سوريا الأخرى ممكنة: سوريا التي تنتصر على الإرهاب بالعقل، وعلى التعصب بالتعدد، وعلى الظلام بالنور.

قد يعجبك ايضا