رزكار حمة رحيم بينجويني
تُعدّ حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة من أهم المبادئ التي قام عليها القانون الدولي الإنساني، لما تشهده الحروب الحديثة من توسع في نطاق العنف وتأثيره المباشر على السكان غير المشاركين في الأعمال العدائية. فقد أظهرت التجارب التاريخية أن المدنيين هم الفئة الأكثر تضررًا من النزاعات المسلحة، سواء من حيث الخسائر البشرية أو الدمار المادي أو الآثار النفسية والاجتماعية طويلة الأمد. ومن هنا جاءت الحاجة إلى وضع قواعد قانونية دولية تنظم سلوك أطراف النزاع وتحد من معاناة المدنيين.
يقصد بالمدنيين جميع الأشخاص الذين لا ينتمون إلى القوات المسلحة أو الجماعات المسلحة المنظمة، ولا يشاركون بشكل مباشر في الأعمال العدائية. ويستند هذا التعريف إلى مبدأ التمييز، وهو أحد المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، الذي يفرض على أطراف النزاع التمييز في جميع الأوقات بين المقاتلين والمدنيين، وعدم توجيه الهجمات إلا إلى الأهداف العسكرية المشروعة.
تقوم حقوق المدنيين أثناء النزاعات المسلحة على مجموعة من المبادئ القانونية الراسخة، في مقدمتها مبدأ الإنسانية الذي يهدف إلى تخفيف معاناة البشر، ومبدأ الضرورة العسكرية الذي يحد من استخدام القوة بالقدر اللازم لتحقيق الهدف العسكري، ومبدأ التناسب الذي يمنع إحداث أضرار مفرطة بالمدنيين مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة. كما يُعد مبدأ الاحتياطات في الهجوم من الضمانات الأساسية لحماية المدنيين، حيث يلزم أطراف النزاع باتخاذ جميع التدابير الممكنة لتجنب إلحاق الضرر بالمدنيين أو تقليله إلى أدنى حد.
تتجسد الحماية القانونية للمدنيين في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب. وقد نصت هذه الاتفاقيات على مجموعة واسعة من الحقوق، من بينها الحق في الحياة والسلامة الجسدية، وحظر القتل والتعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، إضافة إلى حظر أخذ الرهائن والعقوبات الجماعية.
كما يتمتع المدنيون بحق الحماية من التهجير القسري، إذ يحظر القانون الدولي الإنساني النقل القسري الجماعي أو الفردي للأشخاص المدنيين، إلا إذا اقتضت ذلك ضرورة أمنية ملحة أو حماية للمدنيين أنفسهم. وفي حال وقوع التهجير، تلتزم أطراف النزاع بتوفير ظروف إنسانية مناسبة للمهجرين وضمان عودتهم إلى ديارهم فور زوال الأسباب.
وتشمل حقوق المدنيين أيضًا الحماية من الهجمات العشوائية، وهي الهجمات التي لا توجه إلى هدف عسكري محدد أو تستخدم وسائل قتال لا يمكن حصر آثارها، بما يؤدي إلى إصابة المدنيين أو تدمير الأعيان المدنية دون تمييز. كما يحظر استهداف الأعيان المدنية مثل المساكن والمدارس والمستشفيات ودور العبادة، ما لم تُستخدم لأغراض عسكرية واضحة.
ويولي القانون الدولي الإنساني أهمية خاصة لحماية الفئات الأكثر ضعفًا من المدنيين، كالنساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة. فالنساء يتمتعن بحماية خاصة من الاعتداءات الجنسية وأشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، بينما يُمنح الأطفال حماية إضافية نظرًا لضعفهم الجسدي والنفسي، ويُحظر تجنيدهم أو إشراكهم في الأعمال القتالية.
إلى جانب ذلك، يكفل القانون الدولي الإنساني للمدنيين الحق في الحصول على المساعدات الإنسانية الأساسية، مثل الغذاء والدواء والمأوى، ويُلزم أطراف النزاع بالسماح بمرور الإغاثة الإنسانية دون عوائق غير مبررة. كما يفرض احترام وحماية العاملين في المجال الإنساني والطبي وعدم استهدافهم.
ولا تقتصر حماية المدنيين على النزاعات المسلحة الدولية فحسب، بل تمتد أيضًا إلى النزاعات المسلحة غير الدولية، من خلال المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الثاني، اللذين وضعا حدًا أدنى من المعايير الإنسانية الواجب احترامها في جميع النزاعات.
ورغم هذا الإطار القانوني المتكامل، لا تزال حقوق المدنيين تُنتهك على نطاق واسع في النزاعات المسلحة المعاصرة، نتيجة لضعف الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وغياب المساءلة الفعالة، وتعقيد طبيعة النزاعات الحديثة التي تتداخل فيها أطراف متعددة. ويبرز هنا دور المجتمع الدولي في تعزيز احترام هذه القواعد من خلال آليات المساءلة الجنائية الدولية، ودعم المحكمة الجنائية الدولية، وتعزيز الوعي القانوني لدى أطراف النزاع.
وفي الختام، تمثل حقوق المدنيين أثناء النزاعات المسلحة حجر الزاوية في القانون الدولي الإنساني، وتعكس التزام المجتمع الدولي بحماية الكرامة الإنسانية حتى في أحلك الظروف. إن احترام هذه الحقوق ليس مجرد التزام قانوني، بل هو واجب أخلاقي وإنساني يتطلب تضافر الجهود الدولية والوطنية لضمان الحد من معاناة المدنيين وتحقيق قدر أكبر من العدالة والإنسانية في زمن الحروب.