الكورد بين معضلة الدين والقومية

سمير السوره ميري

في منظور السقراطي، القومية لا تقاس بذاتها، بل بمدى تحقيقها للعدالة، كما يقاس الدين بلسوكه الأخلاقي، إن تعطيل العقل النقدي يُشكّل معضلة سلوكية بإنفعالاتها الإنحيازية، وهو مايربك الأفكار ويشوه الوعي، ويحدث التعارض بين الدين والقومية حين يختزل كلُّ منهما إلى أيديولوجيا مغلقة، فالدين والقومية لا يوصفان بخصمين، بل بمنظومتين متكاملتين، شريطة حضورهما الأخلاقي والإنساني.
يتميز الدين بنزعته الكونية، إذ يقدم تصورا شاملا للوجود والغاية والمعنى، بينما تعد القومية أيديولوجيا حديثة نسبيا، تقوم على رابطة طبيعية وتاريخية تجمع أفراد ضمن مشتركات عديدة تتجلى في القيم والسلوك الجمعي.
القومية الكوردية واحدة من القوميات الأصلية التي استقرّت في مواقعها الطبيعية منذ بدايات التاريخ البشري، فالكورد ليسوا نتاج الحضارات القديمة، بل كانوا ممهدي نشوء الحضارات ذاتها، يقول إرنست غلنر: “القومية لاتُنشئها الأُمم، بل القومية هي التي تُنشئ الأُمم”، كما يؤكد أن الأُمم ليست كيانات تاريخية ثابتة، بل بناءات حديثة ظهرت نتيجة تحولات إقتصادية وثقافية عميقة، وأن القومية كيان معنوي يتجاوز الفرد.
ويأتي تضارب ولاءات الضمير الكوردي بين الدين والقومية، نتيجة السياسات والأفكار الإنتقائية والكيل بمكيالين في الممارسة، وإزدواجية الخطاب المؤدلج باسم الدين، هذا الخلط يهدف دغدغة المشاعر وتسويف العقل، بما يؤدي إلى إسقاط حق الحياة المشاعية والمصير القومي المشترك، الذي لا يتعارض مع الدين، بل ينسجم معه حين يتحقق الحلم المشروع، إذ مايرضاه المرء لنفسه يرضاه لغيره، وهذا من جوهر المبادئ الدينية، وإلا تحول الخطاب إلى مجرد تلاعب بعواطف السُذّج
عند الوقوف على القضية الكوردية، نلاحظ كيف تُستدعى القيم الدينية والأخلاقية والوطنية، لا لنصرة الحقوق الشرعية والكونية والأخلاقية، بل غالبا لدحضها وإنكار حق الكورد المشروع، ومن المفارقات أن معظم القوميات المحيطة بالكورد هي التي زحفت تاريخيا إلى جوارهم، لذا يجب التيقن من أن الحق والحرية والعدالة لا تنقضها أدلجات الوهم، ولا يجوز لتلك الأراجيز أن تتحول إلى عقبة في الإختيار الصحيح.
فهم الدين ليس حكرا على أحد، والتوحيد كلمة الله، والعدالة والأخلاق قيم لا تحدها حدود قومية أو سياسية، ومع ذلك جرى تهميش حقوق الكورد عبر مختلف المنظومات والأساليب التي مارستها الدول التي تقاسمت كوردستان الكبرى، من إنكار وجودهم القومي، وإسقاط حقوقهم المشروعة، إلى توصيفهم كأقليات إثنية في دساتير مغلوطة، وصولا إلى سياسات القمع الممنهج لكسر إرادتهم، كسياسة الأرض المحروقة والتهشيم الديمغرافي والثقافي والقتل الجماعي، وكل تلك الأساليب لا تمت إلى الدين بصلة.
ومع ذلك يُطلب من العقل الكوردي الإيمان بهذا الواقع القسري، والتخلي عن هويته، وشل ذاكرته القومية، وعندما يدافع الكورد عن حقوقهم بالوسائل المتاحة، يُسارع إلى تصويرهم كمؤامرة خارجية، وتُصنّف حرية تقرير المصير في خطابهم السياسي جريمة الخيانة، هكذا تشبعت أفكار الجهلة في إنكار حق تقرير المصير في الخطاب السياسي بوصفها جريمة خيانة، وهكذا تشبّعت عقول الجهلة بإنكار هذا الحق، وتجريد الكورد من شروط الوجود الرمزي والمعنوي، فلم تطرح القضية يوما كسؤال سياسي مشروع، بل قدمت دائما كخلل يهدد الدولة.
وهكذا حوصر الكورد بين قهرين إما الإنصهار القسري في هوية الدولة، أو الإتهام بخيانة الإنفصال، وفسر الدين بمدى هذا الإنصهار، لا بمدى العدالة الدينية، وهنا تتجلى معضلة الدين والضمير الكوردي الغير الواعي، المتأثر بإرجازات الدين المؤدلج في ما يخص الحقوق القومية، إن العدالة الإلهية، في جوهرها عدالة أخلاقية كونية.

قد يعجبك ايضا