الجبل صديق الكورد… لكن أين أصدقاء الدم؟

الصحفي والمحامي عرفان الداوودي

قالها القائد مسعود بارزاني يومًا: «الجبل صديق الكورد»،
ولم تكن عبارة شاعرية، بل خلاصة تاريخٍ طويل من الخذلان، حين لا يبقى للكوردي في لحظات العاصفة سوى صخر الجبال وصدق التضحيات.

في هذا الجو البارد القاسي، لا برد الطقس وحده ما يلسع الأرواح، بل برد الإنسانية حين تصمت، وبرد السياسة حين تنكث، وبرد الوعود حين تتبخر.
يعرف العالم كلّه—دوله ومؤسساته وإعلامه—كيف واجه الكورد تنظيم داعش، وكيف وقفوا في الخطوط الأمامية نيابةً عن الإنسانية جمعاء. قدّموا الشهداء من البيشمركة، وفتحوا صدورهم للموت، وأسروا مئات الإرهابيين، فيما كانت عواصم العالم تراقب وتتنفّس الصعداء. يومها قيل للكورد: أنتم أصدقاؤنا، ولن نتخلى عنكم.

لكن التاريخ القريب يفضح الذاكرة القصيرة.
من سايكس–بيكو إلى الاستفتاء، ومن كركوك إلى سوريا اليوم، يتكرر المشهد نفسه:
تضحيات على الأرض، ثم انسحاب سياسي، ثم صمت ثقيل.
انسحبت الولايات المتحدة مرات، وتبدّل الموقف مرات، وكانت النتيجة واحدة: الكورد يُتركون وحدهم في مواجهة العواصف.

الأشد قسوة أن نرى اليوم إطلاق سراح عناصر متطرفة كانت محتجزة بعد أن هُزمت بدم الكورد، فيما تعود المخاطر من جديد، وكأن التضحيات لم تكن، وكأن الشهداءأرقام عابرة في تقارير سياسية. أي رسالة تُبعث إلى العالم حين يُكافأ من هُزم، ويُخذل من انتصر؟

في المقابل، نرى الكورد—وحدهم تقريبًا—يخرجون إلى الشوارع في لندن، وألمانيا، والسويد، وتركيا، وإيران، والعراق، يرفعون صوتهم دفاعًا عن حقهم في الأمان والكرامة. أما كثير من الدول والأنظمة، فتكتفي بالصمت أو الحسابات الباردة. الصمت هنا ليس حيادًا؛ الصمت موقف.

هذه ليست دعوة للكراهية ولا تحميلًا جماعيًا للذنب، بل صرخة أخلاقية في وجه نظام دولي يكيل بمكيالين، ويُخضع العدالة لموازين المصالح. القضية الكوردية ليست نزاعًا هامشيًا؛ إنها اختبارٌ حيّ لضمير العالم:
هل تُكافأ الشعوب التي تحمي الإنسانية؟
أم يُعاد إنتاج الخذلان كلما تغيّرت الرياح؟

في هذا البرد القاسي، يحتاج الإنسان إلى دفء الحقيقة.
وحقيقة اليوم تقول:
إن لم يكن للكورد من صديق ثابت في السياسة، فسيبقى الجبل صديقهم،
وستبقى الكرامة بوصلتهم،
وسيظل الحق—وإن طال الطريق—أقوى من كل صمت.

قد يعجبك ايضا