أ.د.خليل مصطفى عثمان
ليست القضية الكردية نتاج صراعات محلية فحسب، بل هي – في جوهرها – قضية تشكّلت على موائد الدبلوماسية الدولية، حيث كانت مصالح القوى الكبرى تُقدَّم باستمرار على حساب حقوق الشعوب غير الممثلة. ومنذ نهاية الحرب العالمية الأولى وحتى أزمات الشرق الأوسط المعاصرة، تكرّر النمط ذاته: دعم وحدة الدول المركزية، ولو على حساب حق الكورد في الإدارة الذاتية أو الكيان السياسي.
في هذا السياق، يبرز نموذجان مفصليان يفصل بينهما قرن كامل: السير برسي كوكس (1917–1923) في العراق، وتوم بارّاك (2025–2026) في سوريا. ورغم اختلاف الزمن والأدوات، فإن النتيجة السياسية تكاد تكون واحدة.
أولاً: برسي كوكس وبناء الدولة العراقية على حساب الكيان الكوردي
بعد انهيار الدولة العثمانية1918، وجد الكورد أنفسهم أمام لحظة تاريخية نادرة. فقد شهدت جنوب كوردستان (ولاية الموصل)محاولات حقيقية لتأسيس كيان سياسي، أبرزها تجربة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية، التي حملت ملامح دولة كوردية ناشئة، ولو بحدود وإمكانات متواضعة.
غير أن السير برسي كوكس، بصفته المندوب السامي البريطاني، تعامل مع هذه اللحظة لا بوصفها حقاً قومياً، بل باعتبارها تهديداً استراتيجياً لمشروع بريطانيا الأهم: تأسيس دولة عراقية مركزية موالية، قابلة للحياة، وقادرة على حماية المصالح البريطانية في الخليج والهند.
من هنا، لم يكن قمع المشروع الكوردي حادثاً عرضياً، بل خياراً سياسياً واعياً:
رفض الاعتراف بأي شكل من أشكال الحكم الذاتي الكوردي الفعلي.
استخدام القوة العسكرية (بما فيها القصف الجوي) لإخماد التجارب الكوردية.
دمج المناطق الكوردية في الدولة العراقية دون ضمانات دستورية ملزمة.
وهكذا، ساهم كوكس بصورة مباشرة في إضعاف المشروع السياسي الكردي، وتحويل الكورد من طرف سياسي محتمل إلى “مشكلة داخلية” في دولة مركزية ناشئة. وقد ترك هذا النهج إرثاً طويل الأمد من التوتر والصراع بين بغداد وكوردستان، ما زال صداه قائماً حتى اليوم.
ثانياً: توم بارّاك والإدارة الذاتية الكوردية في سوريا
بعد قرن تقريباً، تتكرر المعادلة في سياق مختلف. ففي شمال وشرق سوريا(روژئاڤا)، نشأت منذ 2012 تجربة إدارة ذاتية كوردية-محلية، بدعم دولي غير مباشر، وبفضل دور حاسم في محاربة تنظيم داعش. بدت هذه التجربة، لوهلة، وكأنها تمثل فرصة تاريخية للكورد السوريين لتثبيت نموذج حكم ذاتي معترف به.
لكن مع تحوّل الأولويات الدولية من الحرب إلى “الاستقرار”، عاد منطق الدولة المركزية بقوة. هنا يظهر دور توم بارّاك، المبعوث الأميركي، الذي ركّزت مقاربته على:
دمج قوات سوريا الديمقراطية(قسد) ضمن مؤسسات الدولة السورية.
إعادة ضبط العلاقة بين الإدارة الذاتية ودمشق.
طمأنة تركيا عبر تقليص الطابع السياسي المستقل للمشروع الكوردي.
من منظور أميركي، قد يبدو هذا المسار واقعياً وبراغماتياً. لكن من منظور قومي كوردي، فإنه يُمثّل تقويضاً تدريجياً لأهم تجربة حكم ذاتي كوردية في التاريخ السوري الحديث، وتحويلاً لها من مشروع سياسي إلى مجرد ترتيب إداري مؤقت.
ثالثاً: وحدة النمط… اختلاف الأدوات
رغم الفارق الزمني الكبير بين كوكس وبارّاك، فإن جوهر السياسة واحد:
الأولوية لوحدة الدولة المركزية.
التعامل مع المطالب الكوردية بوصفها ملفاً أمنياً أو إدارياً، لا حقاً سياسياً.
استخدام الدبلوماسية بديلاً عن القوة الصلبة، لكن بالنتيجة ذاتها.
برسي كوكس استخدم القوة العسكرية والانتداب،
وتوم بارّاك يستخدم التفاوض والدمج المؤسسي،
لكن كليهما أسهما – كل في سياقه – في إضاعة فرصة تاريخية للكورد لبناء إدارة ذاتية مستقرة ومعترف بها دولياً.
تكشف التجربتان أن المشكلة الكوردية لم تكن يوماً في غياب اللحظات التاريخية، بل في غياب الإرادة الدولية لدعمها. فالدبلوماسية الكبرى، منذ سايكس-بيكو وحتى اليوم، تعاملت مع الكورد بوصفهم ورقة توازن لا شعباً صاحب حق.
من برسي كوكس إلى توم بارّاك، تتغير الأسماء وتبقى القاعدة:
حين تتعارض مطالب الكورد مع استقرار النظام الإقليمي، تكون الكفة دائماً ضدهم.
وما لم يُكسر هذا النمط، ستبقى القضية الكوردية حبيسة الفرص الضائعة، مهما تغيّرت الشعارات أو تبدلت العصور.