قوة الدول لا تُقاس بحجم جيوشها فحسب، بل بمدى التزامها تجاه حلفائها

الكاتب والمراقب للشأن السياسي – الحقوقي محمد قربان

في عالمٍ تحكمه المصالح المتشابكة والصراعات المعقّدة، لم تعد القوة العسكرية وحدها المعيار الحقيقي لمكانة الدول على الساحة الدولية. فقد أثبت التاريخ الحديث أن قوة الدول تُقاس بقدرتها على الوفاء بالتزاماتها، وبمصداقية شراكاتها، وباحترامها لمن وقف معها في أصعب اللحظات. ومن هذا المنطلق، تبرز قضية كورد سوريا كنموذج صارخ لاختبار صدقية التحالفات الدولية.

لقد لعب كورد سوريا دوراً محورياً في الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي، وكانوا الشريك الأكثر فاعلية على الأرض ضمن التحالف الدولي. وبفضل تضحياتهم الجسيمة، تحقق نصر لم يحمِ سوريا وحدها، بل أسهم بشكل مباشر في حماية الأمن الإقليمي والدولي. ولم يكن هذا الدور عسكرياً فحسب، بل حمل بُعداً أخلاقياً وسياسياً، حيث قاتل الكورد دفاعاً عن قيم إنسانية مشتركة في مواجهة أحد أكثر التنظيمات تطرفاً ووحشية في العصر الحديث.

غير أن مرحلة ما بعد داعش كشفت عن فجوة خطيرة بين الخطاب السياسي والممارسة العملية. فبدلاً من ترسيخ الاستقرار ودعم الشريك الذي تحمّل العبء الأكبر في المواجهة، جرى تقليص الالتزام الدولي تجاه الإدارة الذاتية الكوردية، وتركها تواجه تحديات أمنية وسياسية معقدة، في بيئة إقليمية ما زالت تعاني من هشاشة التوازنات وغياب الحلول الشاملة.

إن هذا التراجع لا ينعكس فقط على مصير الكورد في سوريا، بل يطرح تساؤلات جوهرية حول مفهوم الشراكة في السياسة الدولية. فحين يُختزل التحالف في مرحلة مؤقتة، وتنتهي العلاقة بانتهاء المهمة العسكرية، فإن ذلك يقوّض الثقة، ويضعف فعالية أي تحالف مستقبلي لمواجهة التحديات العالمية، وفي مقدمتها الإرهاب والتطرف.

لقد سعى الكورد في سوريا إلى بناء نموذج إدارة محلية قائم على التعددية والتعايش ومحاربة الفكر المتطرف، وهو نموذج كان يمكن أن يشكّل ركيزة حقيقية لاستقرار طويل الأمد. إلا أن غياب الدعم السياسي المستدام أضعف هذا المسار، وفتح المجال أمام سيناريوهات خطيرة تهدد بإعادة إنتاج الفوضى ذاتها التي مهّدت سابقاً لظهور داعش.

إن مسؤولية المجتمع الدولي لا تنتهي عند تحقيق انتصار عسكري، بل تبدأ بضمان عدم تكرار أسباب الصراع. فالوفاء للحلفاء ليس مجرد التزام أخلاقي، بل عنصر أساسي في بناء نظام دولي مستقر، قائم على الثقة المتبادلة واحترام الشراكات.

ختاماً، تؤكد تجربة كورد سوريا أن قوة الدول لا تُقاس بعدد جيوشها ولا بحجم نفوذها العسكري، بل بقدرتها على الحفاظ على العهد، وصون الشراكات، وتحمل المسؤولية السياسية تجاه من وقف معها دفاعاً عن الأمن والسلم الدوليين.

قد يعجبك ايضا