الصحفي والمحامي عرفان الداوودي
ليست كل صورةٍ عابرة، فبعضها يتحوّل إلى وثيقة أخلاقية وسياسية تختصر فلسفة حكمٍ كاملة. في دوائر إقليم كوردستان، تتصدّر صورةٌ لافتة مكاتب الاستعلامات: القائد مسعود بارزاني رافعًا يديه، يخضع لإجراءات التفتيش الاعتيادية، وخلفه السيد أبراهيم الجعفري عندما كان في المعارضة عام 1994، يوم كان ضيفًا لدى الرئيس بارزاني.
هذه الصورة لا تُعرض للتزيين، بل لتذكير الداخل قبل الخارج بأن الدولة تبدأ من احترام القانون.
في تلك اللحظة الملتقطة، لا امتيازات ولا حصانات. القائد، قبل أي صفة أخرى، مواطنٌ يخضع للنظام. ومن هنا نفهم لماذا لم يعرف إقليم كوردستان ظاهرة قطع الشوارع لمواكب مسؤولين، ولا صافرات إنذار تُرهب الناس، ولا اعتداءات على رجال المرور. فالقاعدة واضحة: القانون واحد، والالتزام به واجب أخلاقي قبل أن يكون إجراءً إداريًا.
على الضفة الأخرى، تبدو الصورة مقلوبة في بغداد؛ حيث تحوّلت بعض الشوارع إلى ممرات مغلقة بفعل مواكب ومصافٍ وصفّارات، وتكرّرت الاعتداءات على ضباط وشرطة المرور من قبل حمايات نافذة، وكأن الدولة تُختزل في قوة السلاح لا في هيبة القانون. هناك، يُسأل المواطن عن التزامه، بينما تُستثنى السلطة، فتضيع العدالة ويترنّح النظام.
إن الأمان والأخلاق والنظام مفاهيم مترابطة لا تقوم إحداها دون الأخرى.
الأخلاق—الصدق، الأمانة، احترام الآخر—هي الأساس.
والقانون هو الإطار الذي يحوّل القيم إلى ممارسة عامة.
والأمن هو الثمرة التي يشعر بها الناس طمأنينةً في حياتهم اليومية.
حين تختل حلقة واحدة، ينهار البناء كله.
احترام القوانين والنظم واجب وطني لا يُقاس بالشعارات. فهو يقلّل الجريمة والمخالفات، ويحمي الحقوق العامة والخاصة، ويضمن المساواة أمام القضاء، ويُحسّن جودة الحياة عبر انسيابية الخدمات وتقليل الفوضى. والأهم، أنه يمنح الثقة—ثقة المواطن بدولته، وثقة المستثمر بالبيئة الاقتصادية، وثقة العالم بقدرة البلد على الاستقرار والنمو.
الدول التي يحترم قادتها القواعد قبل مواطنيهم، لا تحتاج إلى استعراض قوة. هيبتها تنبع من قدوةٍ تُرى وتُحاكى. ومن هنا، فإن صورة التفتيش تلك ليست حكاية ماضٍ، بل درس حاضر:
الدولة لا تُبنى بالمواكب ولا بالاستثناءات،
بل بقانونٍ يُطبّق على الجميع، وقدوةٍ تبدأ من القمة.
هكذا فقط تُصان الكرامة، ويستقيم النظام، ويعمّ الأمان .