الاعلامية فاطمة علي
ما يجري في العراق لا يمكن اختزاله بسوء إدارة عابر أو أزمة اقتصادية ظرفية، بل هو نتاج مسار سياسي طويل قائم على اختلال الأولويات وغياب القرار الوطني المستقل
فالدولة التي تمتلك واحدة من أكبر الثروات النفطية في العالم لا يُفترض بها أن تكون عاجزة عن توفير الحد الأدنى من العيش الكريم لمواطنيها، ما لم يكن الخلل بنيويًا في طريقة الحكم وإدارة الموارد
منذ سنوات تحوّل العراق من دولة يُفترض أن تكون مركز ثقل اقتصادي وسياسي في المنطقة
إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية
هذا الانفتاح غير المنضبط الذي رُوِّج له أحيانًا تحت شعارات الانفتاح أو التوازن أدّى عمليًا إلى إضعاف السيادة وتقديم مصالح الخارج على حساب الداخل
السياسات الاقتصادية مثال واضح على ذلك. فبدل توظيف العائدات النفطية في بناء الصناعةودعم الزراعة وخلق فرص عمل حقيقيةجرى توجيه جزء كبير من الموارد نحو إنفاق غير منتج أو التزامات خارجية أو مشاريع تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجيةوالنتيجة
اقتصاد ريعي هش، يعتمد على النفط وحده، ويترك المواطن رهينة التقلبات السياسية والمالية
أما على المستوى الاجتماعي، فقد تَرسّخ شعور عام لدى المواطن بأن الدولة ليست له فبينما يُطالَب بالصبر والتضحية يرى أن القرار السياسي يُدار بمنطق المحاصصة، وأن معايير العدالة تُستبدل بمعايير الولاء والانتماء هذا الشعور لا يهدد الاستقرار الاجتماعي فحسب بل يضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة في العمق
سياسيًاالمشكلة الأخطر ليست في تعدد القوى بل في غياب مشروع وطني جامع فالتنافس لم يعد على خدمة الدولةبل على النفوذ داخلها وبدل أن تكون الانتخابات أداة لتصحيح المسار، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى إعادة إنتاج للأزمة ذاتها مع تغيير في الوجوه لا في السياسات
إن استمرار هذا النهج يعني بقاء العراق في دائرة الدولة المستهلكة لا الدولة المنتجة وفي موقع التابع لا الشريك والخروج من هذا المأزق لا يبدأ بالشعارات بل بإعادة تعريف جوهر الدولةدولة تحمي ثروتهاتقدّم مواطنيها وتضع حدودًا واضحة لأي تدخل خارجي أيًا كان شكله أو مبرره
قد يطول أمد المعاناة لكن التجارب السياسية تؤكد أن الدول لا تنهض إلا حين يصل الوعي الشعبي إلى نقطة يفرض فيها تغيير المعادلة
وحينها فقط يصبح البيت بيتًا لأهله أولًا لا مائدة مفتوحة يجوع عندها أصحاب الدار.