مرجعية كغطاء لحماية مصالح الأمة

مصطفى عبدالكريم قایتەوەني – لندن

في عالمنا المعاصر، وفي هذا العصر الذي يُعرف بالالتزام بمبادئ الديمقراطية، تختلف مفاهيم الديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة من دولة إلى أخرى، رغم أنها تُرفع كشعارات في أغلب بلدان العالم، غير أن هناك عنصرًا مشتركًا يُعدّ النموذج الأبرز للنظام السياسي الحديث، وهو الانتخابات، التي تُعتبر روح الديمقراطية وجوهرها في العديد من الدول، يُنتخب الرئيس مباشرة من الشعب، أو عبر البرلمان، أو وفق نظام سياسي يحدد آليات تشكيل الحكومات وانتخاب الرؤساء، وغالبًا ما تتميز هذه الدول باستقرار نسبي، حيث يتم تداول السلطة بانتهاء الدورة الانتخابية بشكل سلمي ومنظم.
أما في الشرق، وخصوصًا في منطقة الشرق الأوسط، فإن المشهد يبدو مختلفًا؛ إذ تشهد هذه البلدان تحولات سياسية واقتصادية وأمنية متسارعة، وأحيانًا حروبًا أو انقلابات عسكرية، مما ينعكس سلبًا على الاستقرار، ويجعل مفهوم الديمقراطية مختلفًا عن نظيره في أوروبا أو أمريكا والعالم الغربي عمومًا.
في العراق ودول الجوار، غالبًا ما يُفهم مفهوم الديمقراطية على أنه وسيلة لوصول أصحاب المصالح السياسية إلى قمة السلطة، بينما تصبح مصائر القوميات والمكونات المختلفة محل قلق دائم إذا طُبّق النموذج الغربي للديمقراطية بشكل حرفي، فهذه المنطقة تتغير فيها موازين القوى باستمرار، وغالبًا ما يفرض القوي إرادته على الضعيف، الأمر الذي أدى إلى تغيّر معنى الديمقراطية ومضامينها الحقيقية.
لهذا السبب، تمتلك شعوب المنطقة رموزًا ذات كاريزما تتجاوز أحيانًا مؤسسات الدولة نفسها، وغالبًا ما تكون هذه الرموز دينية أو قومية، ويُطلق عليها مسمى (المرجعية)، تجدر الإشارة إلى أن عددًا من دول آسيا والشرق الأوسط لا يزال يعتمد مرجعيات دينية أو قومية في بناء منظوماته السياسية والتشريعية؛ إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 16 دولة تعتمد مرجعًا دينيًا، في حين تعتمد قرابة 13 دولة مرجعًا قوميًّا، بينما تمزج بعض الدول بين المرجعيتين الدينية والقومية كأساس للتشريع وتوجيه السياسات العامة. وينعكس هذا التوجه بصورة مباشرة على بنية الدولة، وطبيعة القوانين المعتمدة، وأنماط العلاقة بين السلطة والمجتمع.
كما يختلف مستوى هذا الاعتماد من دولة إلى أخرى من حيث الدرجة وآليات التطبيق، إذ يتراوح بين اعتماد صريح منصوص عليه في الدساتير والتشريعات، وبين حضور رمزي أو ثقافي يؤثر في الخطاب العام وصناعة القرار السياسي، فالمرجعية لا سيما في العراق، أصبحت ضرورة ملحّة لحماية الواقع القائم، ونرى أن لدى الشيعة مراجع دينية متعددة تشكل غطاءً يحفظ وجودهم واستمراريتهم السياسية والاجتماعية، وإذا نظرنا إلى الجمهورية الإسلامية في إيران، نجد وجود مرشد ومرجع أعلى يحافظ على النظام السياسي، وهذه المرجعية لم تأتِ عبر الانتخابات، بل هي نتاج كاريزما شخصية ومكانة دينية وسياسية متراكمة.
أما الشعب الكوردي: فمنذ اتفاقية سايكس–بيكو التي قُسّم بموجبها كوردستان بين العراق وسوريا وإيران وتركيا، وبعد أكثر من قرن من النضال من أجل الحقوق القومية، برز في السنوات الأخيرة — وخاصة بعد استفتاء كوردستان — دور المرجعية القومية التي تعمل فوق جميع المؤسسات الحكومية والحزبية. وتُعدّ هذه المرجعية غطاءً أساسيًا لحماية أمة بلا دولة، يتجاوز عدد أبنائها خمسين مليون إنسان موزعين على عدة دول.
وفي هذا السياق، يُعدّ مسعود بارزاني بنضاله السياسي الطويل، وكاريزمته الشخصية والوطنية، مثالًا واضحًا على هذه المرجعية، حيث أصبح مرجعًا قوميًّا لشعب كوردستان في أجزائه الأربعة: شمالًا وجنوبًا وشرقًا، بما في ذلك روژئاڤا.
وقد أظهرت الأحداث الأخيرة في (روژئاڤا) بوضوح مكانة المرجعية الكوردستانية، إذ تحولت شخصية مسعود بارزاني إلى محور فاعل في المشهد السياسي، ومقصد لوفود دولية رفيعة المستوى، من بينها مبعوثون خاصون، وعلى رأسهم مبعوث خاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سوريا، إضافة إلى اتصالات ومراسلات سياسية رفيعة المستوى مع قادة دول عربية وإسلامية ودول كبرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا وحتى الصين.
ويُعدّ هذا الحضور السياسي والدبلوماسي الواسع دليلًا واضحًا على شرعية هذه المرجعية الوطنية ودورها المحوري، ولهذا، نحن الكرد نفخر بهذه الشخصية، مسعود بارزاني، الذي أصبح رمزًا عظيمًا للأمة الكوردية ومرجعًا سياسيًا وقوميًا لها.

قد يعجبك ايضا