حماية القطاع الخاص من الابتزاز والبيروقراطية مطلب اقتصادي مهم

 

 

علي فاضل

 

في ظل ضغوط مالية متزايدة، واعتماد شبه كلي على الإيرادات النفطية، باتت حماية القطاع الخاص من الابتزاز والبيروقراطية مطلبًا ملحًّا في بغداد. تحاول الحكومة العراقية الحالية، وكذلك القوى السياسية التي تنافس لتشكيل الحكومة المقبلة، تقديم أجوبة اقتصادية عملية، منها تبسيط الإجراءات، ومحاربة الفساد، وتحديث نظم الضرائب والجمارك، عناصر تُقدّم على أنها شرط لجذب الاستثمار المحلي والأجنبي وتنشيط النمو غير النفطي. ما حقيقة هذا التوجه وما أمثلته الملموسة؟

 

الأدوات الحكومية

 

– الرقمنة وتبسيط الإجراءات: تنظر خطط الحكومة إلى رقمنة السجلات الجمركية والضريبية، وتقليص الحاجة للمعاملات الورقية، كخطوتين مباشرتين لقطع الطريق أمام وسائط الابتزاز الإداري. في 2025 برزت مبادرات حكومية ومؤتمرات تشدّد على الإصلاح الضريبي الرقمي كآلية لزيادة الشفافية وتحسين بيئة الأعمال.

 

– تشديد القوانين ضد الفساد: تعزز حكومة بغداد مؤسسات الرقابة (مثل مفوضية النزاهة)، وتعلن عن ستراتيجيات وطنية لمكافحة الفساد، بالتعاون مع شركاء دوليين ومنظمات المجتمع المدني. هناك جهود لتعزيز قدرات التحقيق والملاحقة، وإن كانت نتائج التنفيذ متفاوتة.

 

– آليات تسوية النزاعات والتحكيم: تروّج الحكومة لآليات تحكيم أسرع لحل الخلافات التجارية وتأمين عقود القطاع الخاص من ابتزاز الجهات المختلفة، عبر إجراءات قانونية أسرع وأكثر وضوحًا. مؤسسات دولية ودول مانحة تُساند مشروعات لتقوية هذه الآليات.

 

أمثلة فعلية

 

مشروعات طاقة واستثمار كبرى، وتوقيع اتفاقات مع شركات عالمية، وبدء مشروعات ستراتيجية للاستفادة من الغاز والطاقة، كلها تشير إلى بيئة أكثر جاذبية للاستثمار، بإطار رسمي واضح، كمثال دخول TotalEnergies في مشروع معالجة الغاز وإنشاء بنية تحتية للطاقة، الذي يمثل حافزًا لبيئة أعمال أقل عرضة للابتزاز القطاعي حين تُرافقه عقود شفافة. هذا النوع من الاتفاقات يرسل إشارة قوية للاعتماد على آليات رسمية بدل الوساطة غير الرسمية.

 

حُزَم تجارة واستثمار ثنائية، وهي اتفاقيات تجارية كبيرة (مثل حزمة تجارة مع المملكة المتحدة) تخلق قنوات رسمية للتعاون وتضغط لتطبيق معايير إدارية شفافة على العقود والمشتريات الكبرى. مثل هذه الاتفاقات تتطلب من الحكومة تهيئة بيئة مؤسسية أكثر قابلية للتدقيق، ما يحدّ من مساحات الابتزاز.

 

العقبات الواقعية

 

رغم هذه المبادرات، يظل العراق مترسّخًا بمشكلات مؤسسية: انتشار الفساد على مستويات عدة، وضغوط جماعات مسلحة محلية، وممارسات تجارية شبه رسمية، مثل التهريب والوساطات التي تُضعف أثر الإصلاحات. تقارير دولية وتحليلات مستقلة تشير إلى أن التنفيذ لا يزال العقبة الرئيسة، أي أن القوانين موجودة لكن تحولها إلى واقع عملي بطيء وهش.

 

غطاء سياسي

 

الحكومة المقبلة، 2026، إن قامت على برامج إصلاحية، مرجّح أن تستمر في نفس الخطوط؛ تسريع رقمنة الإدارة الضريبية والجمركية، وتوسيع التحكيم التجاري، وجذب استثمارات مشروطة بحماية قانونية واضحة. السمة الأهم ستكون ما إذا كانت تحظى بقدرة سياسية لتنفيذ قرارات تقوّض مصالح فاعلين مستفيدين من الحالة الراهنة. فبدون غطاء سياسي قوي وإصلاحات قضائية حقيقية ستبقى التوجّهات سطحية.

 

التوجه الحكومي لحماية القطاع الخاص من الابتزاز والبيروقراطية واضح في الأهداف؛ رقمنة، وتشريع، وتحكيم أسرع. أمثلة مثل مشروعات الطاقة الكبرى والاتفاقيات الدولية تُظهر نجاحًا نسبيًا في خلق بيئة رسمية للاستثمار. لكن المقياس الحقيقي هو التنفيذ؛ فإذا نجحت الحكومتان، الحالية والمقبلة، في تحويل الأدوات إلى إجراءات يومية، يمكن لرواد الأعمال الاعتماد عليها لخفض كُلف المعاملات وفتح آفاق أوسع للنمو. وإلا فستبقى الوعود الاقتصادية محكومة بواقع إداري وسياسي لا يغيب عنه الابتزاز.

قد يعجبك ايضا