وسام عبد الواحد
في إطار جهودٍ حكوميَّة واسعة لتعزيز الابتكار التكنولوجي وتحسين جودة الحياة للمواطنين، يشهدُ العراق اليوم خطواتٍ حثيثة نحو بناء مدنٍ ذكيَّة ومستدامة، حيث أنهت اللجنة الوطنيَّة العليا للمدن الذكيَّة، المعنيَّة بإعداد الملف الوطني للتحول الحضري الذكي، اجتماعاتها الختاميَّة في مبنى المعهد العالي لإعداد وتأهيل القادة، لوضع الصيغة النهائيَّة للوثيقة الوطنيَّة التي تمثلُ خريطة الطريق الرسميَّة لتطوير المدن العراقيَّة وفق معايير عالميَّة تراعي الخصوصيَّة المحليَّة.
خطة ستراتيجية
الدكتور جاسم الفلاحي، الوكيل الفني لوزارة البيئة، أكد أنَّ “الوثيقة الوطنيَّة تشكّل خطوة ستراتيجيَّة لتطوير البنية الحضريَّة ورفع مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.”
بينما استعرض الدكتور عبد الكريم كاظم عجيل، مدير دائرة المعهد العالي لإعداد وتأهيل القادة، منهجيَّة عمل اللجنة منذ تشكيلها، التي تضمنت التنسيق مع الوزارات والمحافظات، وتحليل البيانات الفنيَّة، والاستعانة بالكفاءات الوطنيَّة المتخصصة، وصولًا إلى إعداد أول وثيقة إرشاديَّة وطنيَّة شاملة في مجال المدن الذكيَّة في العراق.
وشملت التوصيات الرئيسة اعتماد الملف على المستوى الوطني، وإطلاق مشروعات تجريبيَّة في عددٍ من المحافظات، ودعم الشركات المحليَّة المتخصصة في المجال، فضلًا عن اعتماد معايير المدن الذكيَّة ضمن مشروعات الإسكان الجديدة، وتنظيم معرضٍ وطني سنوي للتقانات الذكيَّة، بما يتوافق مع توجهات التنمية المستدامة في البلاد.
ورش عملٍ
واستضاف المعهد العالي لإعداد وتأهيل القادة، في وقت سابق، سلسلة اجتماعات وورش عملٍ شارك فيها خبراءٌ محليون ودوليون، جرى خلالها استعراض التجارب الدوليَّة وأفضل الممارسات العالميَّة في تطوير المدن الذكيَّة، مع تقديم مقترحاتٍ عمليَّة قابلة للتنفيذ محليًا. كما نظمت الجامعة العراقيَّة ورشة عمل تناولت خصائص المدن الذكيَّة وآليات تحويل خمس مدن عراقيَّة -على الأقل- إلى مدنٍ ذكيَّة، مع التركيز على بناء شراكات فعالة مع القطاع الخاص لتنفيذ مشروعات وتطبيقات ذكيَّة، علاوة على تطوير الأنظمة والتشريعات بما يتماشى مع مكونات المدن الذكيَّة.
حلول عالمية
في هذا السياق، أعلنت الهيئة الوطنيَّة للاستثمار استعدادها لعقد المنتدى الأول للمدن الذكيَّة في شهر شباط من العام المقبل، بالتعاون مع اتحاد الغرف التجاريَّة وغرفة التجارة الدوليَّة، وهيئة تنفيذ المدن الجديدة، ومستشاريَّة الأمن القومي، ومنظمة المدن العربيَّة، وذلك لتسليط الضوء على مستقبل المدن الذكيَّة في العراق وأحدث التطبيقات والحلول العالميَّة.
الدكتور حيدر مكيَّة، رئيس الهيئة أوضح، أنَّ المنتدى يمثلُ فرصة لجذب الشركات الاستثماريَّة المتخصصة، والمشاركة في تنفيذ مشروعات مدنٍ ذكيَّة تسهمُ في تحقيق التنميَّة المستدامة وتحسين مستوى الخدمات، مع تعميم التجربة على مشروعات الإسكان الجديدة، من دون رفع أسعار الوحدات. وجرى تشكيل غرفة عمليات لدراسة التكاليف وعرض الفرص الاستثماريَّة بما يتوافق مع إمكانيات المواطنين.
من جانبه، شدد الدكتور فياض محمد عبد، رئيس الجهاز المركزي للتقييس، على أنَّ الجودة والمواصفات القياسيَّة يشكلان ركيزتين أساسيَّتين لبناء مدنٍ ذكيَّة مستدامة تضمن الابتكار التكنولوجي وتحسين حياة المواطنين.
نقلة نوعية
ويرى خبراء ومهندسون أنَّ المدن الذكيَّة تمثلُ نقلة نوعيَّة نحو مستقبلٍ أكثر استدامة وكفاءة، فهي ليست مجرد مدنٍ متصلة بالتكنولوجيا، بل بيئاتٌ ذكيَّة تدعم الاقتصاد وتحافظ على البيئة وتحسن جودة الحياة.
ومن بين الفوائد الأساسيَّة للمدن الذكيَّة، بحسب المهندس مرتضى الجصاني، “تحسين أنظمة النقل لتقليل الازدحام، وإدارة أفضل للطاقة والمياه والنفايات، وتعزيز النمو الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص عملٍ جديدة. كما أنها توفر بيئة محفزة للابتكار وريادة الأعمال وتطوير التقنيات الحديثة، وتسهم في تعزيز السياحة والإيرادات الوطنيَّة.”
يضيف الجصاني: “رغم ذلك، يواجه العراق تحدياتٍ كبيرة في تطبيق المدن الذكيَّة، أبرزها تهالك البنية التحتيَّة ونقص التمويل، وشحة المهارات والكفاءات المتخصصة، ومخاوف أمن البيانات، وغياب التخطيط الستراتيجي الشامل. مع ذلك، يؤكد الخبراء أنَّ التبني المدروس لمفاهيم المدن الذكيَّة يمكن أنْ يقدم حلولًا مبتكرة لتخفيض الكلف في قطاعات الإنتاج والطاقة والبناء، مع تحسين الكفاءة والاستدامة.
بنية رقميَّة
من جانبها، تشير د. نضال الطرفي، التدريسيَّة في الجامعة التكنولوجيَّة، إلى أنَّ “المدن الذكيَّة تتميز ببنية رقميَّة وتكنولوجيَّة قويَّة، صديقة للبيئة، محفزة للإبداع، ومستثمرة في الإنسان، مع التركيز على الصحة والسعادة كهدفين أساسيين للمجتمعات الحديثة.”
وأوضحت، : أنَّ “التجارب العالميَّة في نيويورك وباريس وسنغافورة وموسكو وهلسنكي أثبتت قدرة المدن الذكيَّة على جذب الاستثمارات الخاصة وتحقيق تحول حضري سلس ومستدام.”
وتختتم الطرفي حديثها بالقول: إنَّ “مستقبل المدن الذكيَّة في العراق يعتمدُ على استثمار العقول والكفاءات المحليَّة، وضمان الشراكة الفعّالة بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع، مع التركيز على ست فئات رئيسة تحدد ملامح المدن المستقبليَّة: البنية التحتيَّة، والنقل، وجودة الحياة، والمباني، والاستدامة البيئيَّة، والمجتمعات الصحيَّة الذكيَّة. وبهذا يصبح العراق على أعتاب حقبة جديدة من التنمية الحضريَّة المستدامة، حيث تشكل المدن الذكيَّة منصة لتحقيق التنمية الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والبيئيَّة في الوقت ذاته.”