أهمية رسالة الرئيس مسعود بارزاني.. حين تتحول الكلمة إلى بوصلة سياسية

خوشناف سليمان:

لا يمكن التعامل مع رسائل الرئيس مسعود بارزاني بوصفها مجرد مواقف خطابية عابرة. بل هي. في جوهرها. فعلٌ سياسي محسوب. يتجاوز اللحظة الآنية ليخاطب مسارات أعمق تتعلق بمصير القضية الكردية. واستقرار الإقليم. وشكل العلاقة مع المحيط الإقليمي والدولي.
تكتسب رسالة الرئيس بارزاني أهميتها الأولى من المكانة الرمزية والتاريخية التي يحتلها في الوجدان الكردي. فهو لا يتحدث من موقع السلطة فقط. بل من موقع التجربة الطويلة التي راكمت شرعيتها عبر النضال. والتسويات الصعبة. والقدرة على تحويل الهزائم إلى فرص للبقاء السياسي. لذلك. فإن كلماته تقرأ دائماً بوصفها مؤشرات على اتجاه الرياح. لا مجرد توصيف للطقس السياسي.

أولاً.. تثبيت منطق العقلانية في زمن الانفعالات
في مرحلة إقليمية تتسم بالاضطراب. حيث تتغذّى النزاعات على الخطابات الشعبوية والاندفاعات القصوى. تأتي رسالة الرئيس بارزاني لتعيد الاعتبار إلى العقلانية السياسية. فهو يصر. بشكل واضح أو ضمني. على أن حماية المكتسبات الكردية لا تكون عبر القفز في المجهول. بل عبر إدارة الصراع بأدوات السياسة. لا بشعارات الاستعراض.
هذا المنطق لا يعني التنازل عن الحقوق. بل وضعها ضمن سياق قابل للتحقق. بعيداً عن المغامرات التي دفعت الشعوب ثمناً باهظاً لها في المنطقة.
ثانياً.. تأكيد وحدة الموقف الكردي دون إنكار التعدد
من أبرز أبعاد الرسالة أنها توازن بين الدعوة إلى وحدة الصف الكردي. وبين الاعتراف الواقعي بالتعدد السياسي. فالرئيس بارزاني لا يطرح الوحدة كشعار أخلاقي. بل كضرورة استراتيجية في مواجهة التحديات الكبرى. سواء تلك المتعلقة ببغداد. أو بدول الإقليم. أو بالتحولات الدولية المتسارعة.
الرسالة هنا واضحة.. الخلافات الداخلية مشروعة. لكن تحويلها إلى صراعات مفتوحة هو خدمة مجانية لخصوم المشروع الكردي.
ثالثاً.. إعادة تعريف العلاقة مع الجوار
تحمل رسالة الرئيس بارزاني بعداً إقليمياً بالغ الأهمية. إذ تعيد التأكيد على أن استقرار إقليم كردستان لا ينفصل عن استقرار الجوار. لكنها في الوقت ذاته تضع حدوداً واضحة بين سياسة الانفتاح وسياسة التبعية.
هو خطاب يسعى إلى طمأنة الخارج. دون التفريط بالخصوصية الكردية أو القبول بتحويل الإقليم إلى ساحة تصفية حسابات.
رابعاً.. مخاطبة الداخل بلغة المسؤولية لا التعبئة
على الصعيد الداخلي. لا تخاطب الرسالة الغرائز أو المشاعر القومية وحدها. بل تضع المواطن الكردي أمام مسؤولياته.. الحفاظ على السلم الأهلي. حماية المؤسسات. وعدم الانجرار خلف خطاب اليأس أو التخوين.
إنها دعوة غير مباشرة لإعادة بناء الثقة بين المجتمع والقيادة. في زمن تتآكل فيه هذه الثقة في معظم دول المنطقة.

خلاصة
تكمن أهمية رسالة الرئيس مسعود بارزاني في أنها لا تقدّم حلولاً سحرية. ولا تبيع أوهاماً كبرى. بل ترسم إطاراً سياسياً واقعياً لإدارة مرحلة معقدة. إنها رسالة تذكر بأن بقاء القضية الكردية حية لا يكون بالصراخ العالي. بل بالقدرة على الصبر. والمناورة. وحسن قراءة التحولات.
في زمن تتساقط فيه المشاريع تحت وطأة التطرف أو الارتجال. تبدو هذه الرسالة محاولة واعية للحفاظ على ما تحقق. وفتح الباب. بهدوء. أمام ما يمكن تحقيقه.

قد يعجبك ايضا