قلعة خانزاد… نشيد الحجر والغياب

هبة عبدالحافظ المطيري

هناك، في قلب إقليم كردستان الحبيب، حيث تُعلِّم الجبال الريح كيف تهدأ، وحيث يمشي الزمن على أطراف أصابعه، تقف قلعة خانزاد مثل قصيدة نُقشت على صدر الصخر.
لا ترفع صوتها،ولا تطلب الانتباه، لكنها حين تُرى، يُصغي لها القلب قبل العين.
لم تُبنَ القلعة لتكون مجرد حصنٍ يُقاوم الغزاة، بل لتكون شاهدًا على روحٍ اختارت البناء في زمن كان الهدم فيه أسهل.
في أواخر القرن السادس عشر، حين كان الليل طويلًا على هذه الأرض الكردية، خرج اسم خانزاد خاتون من بين العتمة، لا كحاكمةٍ عابرة، بل كضوءٍ يعرف طريقه.
ارتفعت القلعة على كتف الجبل، مطلّة على السهول والطرق القديمة التي عبرتها القوافل يومًا، كأنها كانت تعرف أن الحكمة تحتاج مسافةً من الضجيج.
جدرانها السميكة تشبه الصمت الوقور، وأبراجها عيونٌ ساهرة، لا تنام كي ينام الآخرون…
كانت الحجارة تُرص بحذر، وكأن البنّاء كان يدرك أن ما يُبنى هنا ليس مأوى للحرب فقط، بل مأوى للذاكرة..

خانزاد خاتون لم تحكم بالسيف وحده، بل بالحِلم.
رأت في القلعة وعدًا بالاستقرار، وفي الناس أمانة لا غنيمة.
فصار المكان أكثر من مقر حكم، صار قلبًا نابضًا وسط القسوة، ومساحة يتنفس فيها العدل بهدوء.
ومع مرور الأعوام، خفتت الأصوات، وتراجعت الخطوات، وغادر البشر وبقي الأثر… لكن القلعة لم تُهزم. ما زالت واقفة بين جبال كردستان، تتكئ على الغياب، وتواجه النسيان بكرامة.
كل حجرٍ فيها يعرف اسمه، وكل ظلٍّ يحمل بقايا حكاية لم تُكملها الشفاه.
اليوم، حين تقترب من قلعة خانزاد، لا تزُر مكانًا مهجورًا، بل تدخل زمنًا متروكًا للحدس.
تشعر أن الجدران تُصغي، وأن الريح تحفظ الأسرار، وأن امرأةً مرّت من هنا، تركت أثرها ثم مضت، واثقةً أن ما يُبنى بالعدل لا ينهار، حتى لو تهدّم.
قلعة خانزاد… ليست أطلالًا..
بل ذاكرةٌ من جبال كردستان، لا تزال تتنفس.

قد يعجبك ايضا