وائل محمد عبد الامير
تُعد الفحوصات غير الإتلافية من أهم الأساليب المستخدمة في تقييم جودة الوصلات الملحومة في المنشآت الهندسية والصناعية، وتحتل الفحوصات الشعاعية مكانة بارزة بينها لكونها قادرة على الكشف عن العيوب الداخلية غير المرئية على السطح. ومع التطور السريع في تقنيات الحاسوب، ظهرت المعالجة الرقمية للصور كأداة فعالة لتحسين كفاءة ودقة تحليل الصور الشعاعية، مما أسهم في رفع مستوى الاعتمادية وتقليل الأخطاء البشرية في تفسير النتائج.
تعتمد الصور الشعاعية للوصلات الملحومة على تمرير الأشعة السينية أو أشعة كاما عبر منطقة اللحام وتسجيل شدة الأشعة النافذة على فيلم أو كاشف رقمي. وتختلف شدة الإشعاع المسجل باختلاف كثافة المادة ووجود العيوب مثل المسامية، الشقوق، عدم الانصهار أو الاختراق غير الكامل. إلا أن الصور الشعاعية الخام غالباً ما تعاني من مشاكل مثل الضجيج، ضعف التباين، وعدم وضوح حدود العيوب، الأمر الذي يستدعي استخدام تقنيات المعالجة الرقمية لتحسين جودة الصورة وتسهيل تفسيرها.
تشمل المعالجة الرقمية للصور الشعاعية عدة مراحل أساسية تبدأ بمرحلة التحويل الرقمي للصورة، حيث يتم تحويل الصورة الشعاعية من شكلها التناظري إلى مصفوفة رقمية تمثل قيم الشدة لكل بكسل. تلي هذه المرحلة عمليات المعالجة الأولية التي تهدف إلى إزالة الضجيج وتحسين التباين العام للصورة، مثل استخدام مرشحات التنعيم أو المرشحات المتوسطة، وتقنيات تعزيز التباين كتمديد المدرج التكراري أو معادلة المدرج التكراري.
تُعد إزالة الضجيج من أهم خطوات المعالجة الرقمية، إذ أن الضجيج قد يخفي العيوب الدقيقة أو يؤدي إلى تفسير خاطئ للصورة. وتُستخدم لهذا الغرض مرشحات رقمية متعددة مثل مرشح المتوسط الحسابي، مرشح غاوس، ومرشح الوسيط، حيث يتم اختيار المرشح المناسب بناءً على طبيعة الضجيج ونوع العيب المراد الكشف عنه. وتساعد هذه المرشحات في تقليل التشويش مع المحافظة على الحواف المهمة في الصورة.
بعد تحسين جودة الصورة، تأتي مرحلة الكشف عن الحواف والملامح، والتي تهدف إلى تحديد حدود العيوب داخل الوصلات الملحومة. وتُستخدم في هذه المرحلة خوارزميات كشف الحواف مثل سوبل، بريويت، وكانّي، حيث تعمل هذه الخوارزميات على إبراز التغيرات الحادة في شدة الإضاءة التي غالباً ما تشير إلى وجود عيب أو عدم تجانس في البنية الداخلية للحام. ويسهم ذلك في تسهيل عملية التمييز بين العيوب الحقيقية والتغيرات الطبيعية في المادة.
تُستخدم تقنيات التجزئة الرقمية لفصل مناطق العيوب عن الخلفية المحيطة بها، حيث تعتمد هذه التقنيات على تحديد عتبات مناسبة لقيم الشدة أو استخدام خوارزميات أكثر تقدماً مثل التجزئة المعتمدة على المناطق أو الخوارزميات العنقودية. وتساعد عملية التجزئة في قياس أبعاد العيوب وتحديد مواقعها بدقة، مما يساهم في تقييم مدى خطورتها وتأثيرها على سلامة الوصلة الملحومة.
مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبح من الممكن توظيف خوارزميات التعلم الآلي والشبكات العصبية في تحليل الصور الشعاعية للوصلات الملحومة. إذ يتم تدريب النماذج الذكية على مجموعات كبيرة من الصور المصنفة مسبقاً، مما يمكنها من التعرف تلقائياً على أنواع العيوب المختلفة بدقة عالية. وتُعد هذه التقنيات واعدة في تقليل الاعتماد على الخبرة البشرية وتسريع عملية الفحص.
تسهم المعالجة الرقمية للصور الشعاعية في تحسين موثوقية الفحص غير الإتلافي للوصلات الملحومة، حيث توفر أدوات كمية لتحليل العيوب بدلاً من الاعتماد على التقييم البصري فقط. كما تساعد في توحيد معايير الفحص وتقليل التباين في نتائج التفسير بين الفاحصين المختلفين، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على جودة المنشآت وسلامتها.
في الختام، يمكن القول إن المعالجة الرقمية للصور الشعاعية تمثل محوراً أساسياً في تطوير تقنيات فحص الوصلات الملحومة، لما توفره من إمكانات متقدمة في تحسين جودة الصور، الكشف الدقيق عن العيوب، ودعم اتخاذ القرار الهندسي. ومع استمرار التطور في قدرات الحوسبة والذكاء الاصطناعي، من المتوقع أن تشهد هذه التقنيات مزيداً من التحسين والاعتماد الواسع في مختلف القطاعات الصناعية.