فريدة الحسني
في لحظات التحول الكبرى، لا تقاس الحكومات بعدد مشاريع الإسمنت ولا بحجم الشعارات المرفوعة، بل بكيفية تعاملها مع الأضعف.
هناك، حيث لا كاميرات ولا مصالح انتخابية مباشرة، تسقط الأقنعة وتظهر الحقيقة العارية: هل الدولة مشروع إنساني أم جهاز قمع مقنع بالإدارة؟
قضية الكلاب الضالة، التي يحاول كثيرون اختزالها في إطار “إزعاجٍ خدمي”، ليست تفصيلاً هامشياً كما يراد لها أن تكون، إنها اختبار أخلاقي وإداري وبيئي في آن واحد. ومن خلال هذا الاختبار، يتبدى الفرق الصارخ بين نهجين متناقضين داخل الجغرافيا العراقية نفسها: نهج اختار الحلول العلمية والإنسانية، ونهج آخر لجأ إلى القتل الجماعي بوصفه سياسة عامة
إدارة تفكر قبل أن تطلق النار.. ادارة تحول العجز إلى رصاص
أعلنت رئاسة بلدية أربيل عن جمع 8437 كلبا ضالا من شوارع وأحياء مركز المدينة خلال عام 2025، وذلك ضمن خطة تهدف إلى تعزيز سلامة المواطنين
وأوضحت البلدية أنه تم نقل هذه الكلاب إلى مأوى متخصص تحت إشراف كوادر خبيرة، لتلقي الرعاية والغذاء، مع إجراء عمليات التلقيح والإخصاء لبعضها وفق المعايير الدولية، قبل إطلاقها في المناطق البرية وأكدت استمرار جهودها البيئية والخدمية للحد من هذه الظاهرة بأسلوب إنساني وحضاري وفي المقابل، عندما ننظر إلى الحكومة المحلية في مناطق أخرى، نجد أن بعض مرشحيها للبرلمان يجعلون من دعاياتهم الانتخابية توفير 160,000 حبة سم لقتل الكلاب.
لاحظوا الفرق يا شعب…حكومة تؤوي الكلاب وتحميها، وحكومة تقتلها في الشوارع
لقد لاحظت هذا الأمر بنفسي عندما كنت في العراق قبل أيام على طول الطرق، وأنا داخل السيارة، كنت أشاهد كلابا ظننتها نائمة. استغربت المشهد، لكن ابن أختي أخبرني بالحقيقة المؤلمة: انها كلاب مقتولة، بعد أن أوصت الحكومة المحلية بقتلها بدل توفير مأوى لها.
ماقامت به حكومة كردستان لا يعكس تعاطفا عاطفيا فقط، بل فهما عميقا لوظيفة الدولة: حماية الإنسان لا تكون عبر نشر العنف، بل عبر سياسات ذكية تمنع الخطر من جذوره. فالكلاب الملقحة والمدارة صحيا لا تشكل تهديدا، بل تصبح جزءا من توازن بيئي معروف في كبرى مدن العالم.
الأهم من ذلك، أن هذا الخيار لم يكن الأرخص ولا الأسهل
كان الأصعب، لأنه يتطلب تخطيطا، ميزانيات، خبرات، ومتابعة طويلة الأمد، لكنه في المقابل الخيار الوحيد الذي لا يترك وصمة أخلاقية في جبين السلطة
على الجانب الآخر من الصورة، تقف حكومات محلية في مناطق أخرى وقد اختارت الطريق المعاكس تماما. بدل الخطط، هناك قرارات مرتجلة
بدل المآوي، هناك شاحنات سمّ وبدل الخطاب المسؤول، هناك دعاية انتخابية تتباهى بعدد الكلاب التي سيتم التخلص منها
أن يصل الأمر بمرشحين للبرلمان إلى جعل توفير مواد القتل بندا انتخابيا، فذلك لا يمكن تفسيره إلا بوصفه انهيارا أخلاقيا قبل أن يكون فشلا إداريا. نحن لا نتحدث هنا عن حادثة فردية أو تصرف معزول، بل عن نهج معلن يساوي بين الإدارة والقتل، وبين الحل والسيطرة بالقوة
المشهد في الشوارع كان أبلغ من أي تقرير: كلاب ممددة على جانبي الطرق، بلا حراك، تركت جثثها في العراء، لا لشيء إلا لتكون رسالة صامتة مفادها أن الدولة حين تعجز، تقتل
هذا ليس تنظيما حضريا، بل تطبيع مع القسوة، وتدريب للمجتمع على قبول العنف كحل.
القتل ليس سياسة… بل اعتراف بالفشل
كل التجارب العالمية، من أوروبا إلى أمريكا اللاتينية، أثبتت حقيقة واحدة لا تقبل الجدل: قتل الكلاب الضالة لا يحل المشكلة. بل يعيد إنتاجها بشكل أسوأ
فالفراغ البيئي الناتج عن القتل الجماعي يملأ بسرعة، وتعود الظاهرة بأعداد أكبر، بينما تبقى الأسباب الحقيقية—غياب الإخصاء، انعدام التوعية، الفوضى العمرانية—دون معالجة
إذا، لماذا تصر بعض الحكومات المحلية على هذا الخيار
الجواب واضح ومؤلم: لأنه الأرخص سياسيا، والأسرع إعلاميا، والأقل تطلبا من حيث الجهد والفكر. إنه حل الكسالى إداريا، والعاجزين أخلاقيا
الفرق الجوهري: أي دولة نريد؟
القضية هنا ليست كلابا فقط
هي سؤال أكبر بكثير: هل نريد دولة تربي مواطنيها على احترام الحياة، أم دولة تعلمهم أن القتل أداة إدارية مشروعة؟
حين يرى طفل جثة كلب في الشارع، ويتكرر المشهد، فإن الرسالة التي تغرس في وعيه لا علاقة لها بالأمن، بل باللامبالاة تجاه الألم.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، المجتمعات التي تعتاد القسوة على الحيوان، لا تتفاجأ حين تمتد لاحقا إلى الإنسان.
في المقابل، ما فعلته حكومة إقليم كردستان يقدم نموذجا معاكسا تماما: دولة تقول لمواطنيها، بالفعل لا بالتصريح، إن القوة لا تعني القتل، وإن الإدارة تعني المسؤولية
امتنان مستحق… ونقد لا بد منه
الامتنان لحكومة اختارت الحل الإنساني ليس ترفا إعلاميا، بل واجب اعتراف
والنقد الحاد لحكومة اختارت السم والرصاص ليس تحريضا، بل واجب صحافي وأخلاقي
الصمت عن القسوة مشاركة فيها وتبريرها جريمة ثانية وتسويقها انتخابيا سقوط لا يغتفر
اخيرا
التاريخ لا يحفظ عدد الكلاب التي قتلت، لكنه يسجل مواقف الحكومات عند الامتحان وهذا الامتحان اليوم، كشف بوضوح من اختار أن يكون في صف الإنسانية، ومن قرر أن يجعل القتل سياسة عامة الشعوب قد تصبر، لكنها لا تحترم سلطة تقتل حين تعجز.
هذه ليست قضية كلاب فقط…هذه مرآة تكشف من نحن، وأي دولة نريد؟